عيسى يحيى

أزمة مرشحين شيعة في دائرة بعلبك الهرمل: تراجع الجرأة أم استحالة الخرق؟

3 دقائق للقراءة

بدأت معظم القوى والأحزاب السياسية بتقليب أسماء مرشحيها للانتخابات النيابيّة المقرّرة في أيار 2026، على نار التحالفات، ومعها يعاد طرح السؤال المزمن في بعلبك الهرمل: أين هم المرشحون الشيعة المعارضون؟ ولماذا يبدو المشهد حتى اللحظة خاليًا من أيّ تحرّك جدّي خارج عباءة "الثنائي"؟ هل تراجعت جرأة المعارضة على وقع التطوّرات أم سلّمت باستحالة الخرق؟


شهدت دورتا 2018 و 2022 ترشّح عدد من الأسماء التي رفع بعضها لواء المعارضة، فيما كان البعض الآخر يعارض في العلن، ويحوك المؤامرات في السرّ، حتى ظهرت مواقفه جلية بعد الانتخابات، ورغم ذلك بقيت النتائج محسومة سلفًا: لا خرق ولا حتى بلوغ العتبة الانتخابية.


اليوم وبعد سنوات من تلك المحاولات الخجولة، يبدو أنّ المشهد أكثر هدوءًا، أو ربما أكثر فراغًا، لا أسماء تتداول، ولا لوائح تطبخ، وكأنّ البيئة الشيعية في بعلبك الهرمل دخلت في سبات انتخابي تهيمن عليه واقعية تقول: "الخرق مستحيل، والمواجهة خاسرة سلفًا".


وحدهم من يدورون في فلك "حزب اللّه" وما اصطلح على تسميته "محور المقاومة" ينشطون في سبيل حجز مقاعد لهم على لائحة "الثنائي" وحلفائه، من إعلاميين وعمداء متقاعدين وغيرهم، يمنّون النفس بأنّ مواقفهم الدفاعية عن "الحزب" ستنجب لهم مقعدًا نيابيًّا تكريمًا لمواقفهم، كذلك فإنّ تحرّكاتهم وإشاعتهم لترشّحهم تنبع من الأحاديث عن أن "الحزب" سيقوم بتغيير عدد من الوجوه النيابية هذه الدورة.


لا تكمن مشكلة الشيعة المعارضين في غياب التمويل والدعم السياسي فقط، بل في غياب الجرأة أيضًا، فقد أدّت التجارب السابقة إلى تثبيت قناعة شبه عامة لدى النخب الشيعية المعارضة، مفادها أنّ الترشح هو مغامرة مكلفة دون أي مردود، بل قد يتحوّل عبئًا أمنيًّا واجتماعيًّا، وسط خطاب التخوين والتشهير، وفي المرشحين السابقين عبرة. إضافةً إلى ذلك، فإنّ من ترشّحوا خلال الدورات السابقة لم يجدوا حاضنة حقيقية داخل بيئتهم، ولا خطابًا سياسيًّا جامعًا يعزّز فرصهم، ولا ماكينة انتخابية تواجه ماكينة "الحزب" المدجّجة بالخدمات والنفوذ والانضباط التنظيمي، أو تستطيع الدخول إلى مراكز الاقتراع دون أن تتعرّض للضرب أو الأذية.


وفي ظلّ هذا الفراغ يبرز اسم نجل رئيس مجلس النواب الأسبق علي صبري حمادة، كمرشح محتمل بدأ بتزييت ماكينته الانتخابية باكرًا، وهو إضافة إلى رهانه على إرث عائلي وخدماتي، وقاعدة رمزية لا تزال تحنّ إلى مرحلة ما قبل احتكار القرار الشيعي من "الثنائي"، يعوّل على تأطير خطاب معارض فعلي، يصل عبره إلى معركة واقعية لا رمزية، مبنية على تحالف انتخابي في مكان وسياسي في آخر. كذلك هناك عدد من الشخصيات التي لها رمزيتها وحيثياتها البقاعية تدرس خياراتها بجدية لخوض غمار الاستحقاق من دون أن تعلن، كي لا تواجه بالتحريض والتخوين باكرًا. ووفق المعلومات أيضًا فإنّ عددًا من الشخصيات التي لم يحالفها الحظ في الانتخابات البلدية وتحديدًا من خارج مدينة بعلبك، قد تخوض الانتخابات النيابية بطلب شعبي، بعد أن أصرّ "الحزب" على المنافسة داخل بلداتها، دون ترك الخيار لها للاختيار.


لا يعبر الغياب الشيعي المعارض عن ضعف تنظيمي فقط، بل عن خلل عميق في البنية السياسية، والصوت المعارض إمّا بات مكبوتًا، أو يائسًا، أو مشتتًا. فالتمويل مفقود، والبيئة المحلية لا توفّر الحماية، ولم يتجذّر الخطاب المعارض كخيار بديل. وعليه قد تفرز الأيام أسماء جديدة، أو تعود الوجوه القديمة لتكرار التجربة، وإذا لم يحصل تحوّل جذريّ في مقاربة العمل السياسي الشيعي المعارض، ستبقى بعلبك الهرمل على حالها النيابية، بلا منافسة حقيقية وبلا مساءلة.