بينما استعرت وتمدّدت المعارك الدموية بين الدروز وعشائر البدو في محافظة السويداء السورية أمس، ومع إعلان دمشق تدخلها الميداني المباشر في المحافظة، رفضت الرئاسة الروحية للدروز في سوريا "دخول أي جهات" إلى السويداء، ومنها جهاز الأمن العام و"هيئة تحرير الشام"، متهمة إياهما بـ "المشاركة في قصف القرى الحدودية ومساندة مجموعات تكفيرية باستخدام أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة". وحمّلت "كامل المسؤولية لكلّ من يُساهم في الاعتداء أو يسعى إلى إدخال قوى أمنية إلى المنطقة"، مطالبة بـ "الحماية الدولية الفورية كحق لحماية المدنيين وحقنًا للدماء"، لكنها أكدت أنه "لا تزال أيادي الصلح ممدودة ولم ولن تنقطع علاقتنا التوافقية مع حكومة دمشق"، في حين هاجم الجيش الإسرائيلي عدة دبابات في المنطقة بين السيجين وسميع وهي تتحرّك نحو السويداء لعرقلة وصولها. وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الهجوم جاء "كرسالة وتحذير واضح للنظام السوري"، جازمًا بأنه "لن نسمح بالمساس بالدروز في سوريا وإسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي".
في السياق، أفاد "المرصد السوري" بأن حصيلة الضحايا من جرّاء الاشتباكات المسلّحة والقصف المتبادل في السويداء منذ صباح الأحد ارتفعت إلى 99 قتيلًا توزعوا بين 60 من أبناء السويداء، بينهم طفلان وسيدتان، و18 من بدو السويداء، و14 من وزارة الدفاع وسبعة مجهولي الهوية يرتدون الزي العسكري، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، بينهم أطفال وبعضهم في حال حرجة. وتواصلت الاشتباكات العنيفة في الريف الغربي من المحافظة، حيث تركّزت المعارك عند محور قرية كناكر، وفي بلدتي الثعلة والمزرعة، وسط مقاومة تبديها المجموعات الدرزية في وجه القوات المهاجمة التي تضمّ عشائر البدو وتشكيلات من وزارتَي الدفاع والداخلية.
وذكر "المرصد" أنه بالتوازي مع الاشتباكات، حلّقت طائرة حربية إسرائيلية في أجواء المنطقة، وأطلقت بالونات حرارية، وسمع دوي انفجارات، بينما دفعت الدفاع السورية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى السويداء وأوعزت إلى وحداتها في حمص ودمشق التوجّه إلى السويداء، في قرارات تشبه تلك التي رافقت أحداث الساحل السوري الدموية في آذار الماضي. وتضمّنت تعزيزات دمشق مختلف أنواع الأسلحة وحشودًا من المقاتلين، بهدف دعم الحواجز الأمنية التي تعرّضت للهجوم، في وقت تشارك فيه بعض تشكيلات وزارة الدفاع فعليًا في القتال ضدّ المسلّحين من أبناء السويداء في ريف المحافظة. وأفادت وكالة "فرانس برس" بأن قوات دمشق سيطرت على قرية المزرعة الواقعة عند مشارف السويداء وتواصل تقدّمها نحو المدينة.
ولاحقًا، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات جوية استهدفت تجمّعات وآليات عسكرية تابعة لوزارة الدفاع في كلّ من قرية المزرعة ومحيط قرية كناكر، حسب "المرصد"، بينما أكدت وكالة "سانا" أن إسرائيل شنّت ثلاث غارات استهدفت محيط بلدتي المزرعة وكناكر، ما أسفر عن وقوع خسائر مادية. وكشفت الدفاع السورية أن 18 من جنودها قتلوا في السويداء، مشيرة إلى أن "جماعات خارجة عن القانون"، لم تحدّد هويتها، هاجمت عددًا من وحداتها. وأوضحت أن قواتها ردّت على الهجوم وطاردت الجماعات التي رفضت وقف الأعمال القتالية واستمرّت في استهداف قوات الأمن. واعتبر وزير الداخلية أنس خطاب أن "غياب مؤسّسات الدولة، خصوصًا العسكرية والأمنية منها، سبب رئيسي لما يحدث في السويداء وريفها من توتر مستمرّ، ولا حلّ لذلك إلّا بفرض الأمن وتفعيل دور المؤسّسات".
وذكرت الداخلية السورية أن دخول قوى الأمن الداخلي ووحدات من وزارة الدفاع إلى محافظة السويداء "جاء في إطار مهمّتها الوطنية لوقف إراقة الدماء، وضبط الأمن، وفرض الاستقرار"، مدعية أن دورها "يقتصر على حفظ الأمن وحماية المدنيين من دون الانحياز لأي طرف مع العمل على إعادة الاستقرار بشكل كامل، بما يضمن حماية أرواح المواطنين". وأكدت لقناة "العربية" اختطاف عدد من أفراد الأمن خلال عملية الانتشار في السويداء. وأعربت الخارجية السورية عن الأسف البالغ إزاء التصعيد الخطر الذي تشهده محافظة السويداء، داعية كافة الأطراف المحلّية إلى التوقف الفوري عن أعمال العنف، وتسليم السلاح غير المشروع، وتفويت الفرصة على الساعين إلى الفتنة. وحضت كافة الدول والمنظمات على "احترام سيادة سوريا والامتناع عن دعم أي حركات منفردة انفصالية".
تزامنًا، اعتبر "مجلس سوريا الديمقراطية" أن التصعيد الحاصل في السويداء لا يمكن فصله عن المسار العام للأزمة السورية، وعن غياب الحلول السياسية العادلة، مستنكرًا "مشاركة عناصر من أجهزة السلطة السورية في تأجيج هذا الصراع الداخلي، ما نعدّه تصرّفًا خطرًا يتنافى مع الدور المفترض لأي حكومة مسؤولة". وحذر من خطر الخطاب الطائفي وخطابات الكراهية التي تصاحب هذه الأحداث، مؤكدًا "موقفنا الثابت الداعي إلى الحوار السوري - السوري، ونبذ العنف، واحترام إرادة الشعوب والمكونات، ونعتبر أن كل تصعيد داخلي، في أي منطقة من البلاد، هو إضعاف لمشروع الحل، وخدمة للقوى التي لا تريد لسوريا أن تتعافى".
من جهة أخرى، رحّب وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بمشاركة سوريا في اجتماع الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط في بروكسل، مشيرًا إلى أنه "سنكون معًا في الاجتماع نفسه، دعونا نرَ ما سيحدث"، في حين بحث وزير الخارجية أسعد الشيباني مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس قبل الاجتماع، سُبل تعزيز العلاقات بين سوريا والاتحاد الأوروبي، وتوسيع مجالات التعاون المشترك في القضايا ذات الاهتمام المتبادل. بالتوازي، كشفت هيئة البث الإسرائيلية أن تل أبيب تبلّغت بتعزيز علاقة الاستخبارات الأميركية مع سوريا.