ثمّة لحظات في تاريخ الشعوب لا تكون مجرّد وقائع، بل مرايا تُجبرنا على النظر في وجوهنا المجرّدة، خارج القناع الأيديولوجي وخارج البلاغة الموروثة. ما جرى في السويداء، خلال اليومين الماضيين، ليست لحظة محلية محدودة، بل صوتٌ دائم يخرج من قلب الصمت الطويل، ويوقظ سؤال الكينونة: من نحن؟
السويداء لا تحتجّ فقط، بل تتأمل. لا تصرخ ضد الدولة، بل تسائلها وتسائل نفسها: ما معنى الوطن إذا لم يحتمل أبناءه؟ وما معنى الأكثرية إن لم تكن حاضنة للتنوع؟
ليس حدث السويداء سوى عيّنة صغيرة من اختناق أوسع يعيشه المشرق، حيث تتعذّر عليه المصالحة مع نفسه، في ذبذبة دائمة بين شبح الدولة والخوف الوجودي، بين هويّة الأرض التي توحّد والقومية التي تقمع، بين الفرد المشرقيّ الذي يطلب الاعتراف والأكثريّة التي تسعى بلا وعي للهيمنة.
فالأكثريّة، كما يعتقد البعض، ليست مرادفًا للديمقراطية.
بل كثيرًا ما كانت ضدّها.
إنّها، في تجربة الشّرق التاريخية، لم تكن جماعة وعي وانفتاح، بل جماعة هيمنة. وهذا طبيعي.
الأقليات، بالمقابل، لم تُعرّف نفسها غالبًا من موقع الاختيار، بل من موقع الدفاع، لا لأنّها أرادت الانكفاء، بل لأنّ المجال العام ضاق عنها.
بشكل عام، هناك طريقتان لمعالجة الخوف الوجودي لدى الأقليّات: القوميّة أو التعدّدية.
كلّ أقلية في هذا الشرق خاضت معركتها بطريقتها: اليهود مثلاً حسموا هويّتهم، فصاغوا قوميتهم الخاصة في كيان يتجاوز الديمغرافيا. المسيحيّون اللبنانيّون فهموا باكرًا خطورة لعبة القوميات، فرفضوا الاندراج في أي مشروع إقصائي، وراهنوا على التعدّدية وإن تعثّرت مرّات. الدروز تميّزوا بحدّة البصيرة، لكنهم افتقروا إلى رؤية متكاملة تثبّت حضورهم في الأنظمة السياسيّة. أمّا الشيعة، فلم يتبلور وعيهم السياسي إلّا مع قدوم الإمام موسى الصدر، حين التُقطت لحظة الصراع الناصري-الشمعوني، فتحوّلوا من جماعة مهمّشة إلى كينونة سياسية فاعلة.
وهكذا تشكّل الوعي الأقلّوي،
وعي ينهض من الوجع، لا من الامتياز.
في قلب هذه التفاعلات، ظهر رجل اسمه رفيق الحريري.
لم يكن زعيمًا تقليديًا.
بل مشروعًا لإعادة تعريف "الأكثريّة" خارج الاستعلاء العددي والضيق الهوياتي. لبنانيّته لم تكن ترفًا، بل محاولة لاستعادة الممكن الوطني من بين أنقاض الحرب الأهلية وحلف الأقليات المشوّه.
بعده، أتى الأمير محمد بن سلمان.
رفض الدور المرسوم للمملكة في صراعات الآخرين، وأعاد تركيز الهويّة السعودية على الداخل وعلى رفاهية الإنسان.
فبينما استنزف الآخرون أنفسهم في مطاردة أوهام "العروبة"، عثر بن سلمان على هويّة عصرية في “موسم الرياض” و”رؤية ٢٠٣٠”، محوّلاً المملكة إلى مركز جذب ثقافي واقتصادي.
في ذلك انقلاب فلسفي هائل: من سياسة القضايا القومية إلى سياسة الإنسان ورفاهيته.
لكن السياسة، كما الطبيعة، لا تحتمل الفراغ. مع انكفاء الدور العربي العقلاني، تقدّم السلطان في أنقرة، عارضًا استعادة مجد عثماني، من باب دعم سوريا "الجديدة"، لكنه مطعّم بقومية لا تقبل التعدّد إلّا بوصفه تبعيّة. أردوغان لا يكرّر السلطنة، بل يعيد كتابتها بنحو مقلوب: باسم الانفتاح يُمارس الانغلاق، وباسم التنوّع يُعيد إنتاج المركزية القومية.
في قلب كلّ هذا، تقف السويداء، لا لتتمرّد على الدولة، بل لتطالب بها.
هي لا ترفض الوطن، بل تبحث عنه.
لا تريد الفدرالية نكايةً، بل إنقاذًا. لأنّ الإطار المركزي أثبت عجزه عن احتواء التنوّع، وبات منتِجًا للانقسام بدل أن يكون حاضنًا له.
إنّها تقول، بلسان كلّ العائلات الرّوحية، إنّ المواطنة ليست نفيًا للهويّة، بل شرط تعايشها. وإنّ الهويّة الوطنية، إن لم تتّسع لجميع خصوصيّاتنا، لن تكون إلّا شكلاً مقنّعًا للهيمنة، تحت مسمّيات ليبرالية.
في زمن يعيد فيه العالم إنتاج حدوده، ويُراجع منطقه القومي، آن للمشرق أن يعيد النظر في أسسه الأولية: من نحن؟ ولماذا نُصرّ على صيغة لا تحتمل ذاتها؟