صدر قبل أيام كتاب "لعبة الحقوق" للسفير المتقاعد الدكتور ألخندرو بيطار عن "دار سائر المشرق". هو بحث فلسفي حول الوجود الذي "هو اللُّعبة الكبرى"، ويتناول الحقوق ويفكّكها بوَصفِها استراتيجيّات بقاء، تُصاغ بالتهديد أكثر من العدالة، وتُقاس بقابِليّة التفاوُض أكثر من أحقيّتِها. ومع دخول الآلة والخوارزميّة، تَتبدّلُ المواقع: مَن هو اللاعب؟ ومَن يُصبح أداة؟
"لعبة الحقوق" ليست دعوةً للفهم، بل هي استفزاز للتأمُّل. نصٌّ يتّكئُ على الفلسفة من دون أن يغرق فيها، وينحتُ مسارًا جديدًا لفهم الذات، في ضوء ما نُطالب به... وما نصمت عنه. في هذا الكتاب، لا تقرأ الحقوق... بل تُخاض كما تُلعب، ومنه نقتطف الفصل الآتي.
لا غرابة في القول إنّ الدولةَ مفهومٌ مُستمدٌّ من الوجودِ الطبيعيّ المُتمايز للجماعة، وبالتالي من سيادتها الطبيعيّة على نفسها. وهذا ما لم يظهر على مسرح السياسة (باعتبارها فنّ إدارة الجماعة تحقيقًا لخيرها) إلّا في مرحلةٍ متأخّرة، امتازت بالنزاعات والحروب: الدينيّة، والجغرافيّة، والعشائريّة، والعرقيّة، والاستعماريّة، والتحرّريّة، إلخ. واجهت خلالها السيادة الطبيعيّة (أي السيادة التي ليست في متناول التفكير) خطرًا خارجيًّا هدَّد وجودها، ومعه وجود الجماعة (أي جماعة). وهذا التهديدُ الخارجيّ هوَ ما جعل من السيادة مفهومًا (أي في متناول التفكير) لا مجرّد مصطلحٍ تمّ الاتفاق عليه.
فالمصطلح، كما قلنا، هوَ اصطناعٌ إنسانيّ، لا وجود سابقًا له في الطبيعة. أمّا مقاومةُ السيادة لما يُهدّدها (أي مقاومة الجماعةِ الموجودة لِما يُهدّد وجودها، المعادِل لسيادتها، إذ لا يمكن لأيّ موجود أن يلجَ باب الوجود من دون أن يكون سيّدًا على وجوده) فهذا ما يُعرف بالسيادة الوجوديّة، وهيَ سيادةٌ مُعرّضةٌ لمخاطر (كثيرًا ما تُفقِدها مبرّرات وجودها). ولكي تبقى قائمةً، ثابتةً، أي في حال (état) "الاستمرار في الوجود"، هو ما أدّى إلى المُرادفة بين السيادة وحالة الثبات (أي L’état). أمّا "نظريّة الدولة" (théorie de l’Etat) التي أتى بها جان بودان في كتابه "Six Livres de la République" عام 1576، والذي كتبه بعد مذبحة القدّيس برتولومي الشهيرة عام 1572، فهيَ دليلٌ على إعمال العقل في ظاهرة السيادة، ووضعها تحت نظره. وهكذا، يمكنني الذهاب مع الفيلسوف الفرنسي "ديلوز" والقول إنّ الدولة، كسيادةَ سلطةٍ ما على جماعةٍ من البشر في قطعةٍ محدّدةٍ من الأرض، هيَ ظاهرة تاريخيّة لم تأتِ إلى الوجود كمفهوم سياسيّ إلّا على أثر إعمال العقل فيها، تفكيرًا وتحليلًا لتبيان عناصرها. فالقول إنّ الدولةَ مصطلح حديث اتّفق عليه، أو أطلقه عددٌ من المفكّرين السياسيّين، إنّما يقطعها من جذورها الممتدّة عميقًا في الوجودِ الطبيعيّ.
وقد يُفاجَأ البعض بالقول إنّ الدولة، والتي تفيد مجموعةً من البشر تعيش في بقعةٍ جغرافيّةٍ تحت نظامٍ سياسيّ محدَّد، لها جذورٌ تعود إلى الوجود الطبيعيّ البدائيّ للجماعات البشريّة. لهؤلاء نقول إنّه لا بُدّ من التمييز بين المفهوم، الذي تعود جذوره ممتدّة في الطبيعة، على غرار مفهوم "الحرّيّة"، والمصطلح، الذي تعود جذوره إلى عملِ العقل، كما في مصطلح "العدل الاجتماعيّ". وعليه، فإنّ اعتبار تسمية الدولة لحالةٍ سياديّة سياسيّة تسميةً حديثة، لا يُلغي ما لهذه الحالة من امتدادٍ تاريخيّ، ليس عند المستوى الحضاريّ فحسب، بل عند المستوى البدائيّ أيضًا.
لنضع الكلام عن الدولة، بين المفهوم والمصطلح، جانبًا، ولنعد إلى لعبة الحقوق. كنتُ قد ذكرتُ في ما سبق أنّ دخول الدولة، حكمًا ولاعبًا في سياق لعبة الحقوق داخل المجتمع، قد أحدث فيها تحوّلًا جوهريًّا، وأدخل إليها لاعبين جُددًا بقواعد جديدة، ضروريّة لحُسن سير اللعبة، خصوصًا بعد تقسيم السلطة إلى سلطاتٍ سياسيّة وتشريعيّة وقضائيّة. وبذلك أصبحت لعبة الحقوق، في ظلّ الدولة، أكثر تعقيدًا، ممّا أوجب سنّ قوانين تُشكّل بمثابة قواعد تنظيميّة، تضبط حركة اللاعبين في ما بينهم من جهة، وبينهم وبين الدولة، بسلطاتها السياديّة المستقلّة بنِسَبٍ متفاوتة، من جهة أخرى.
مَن هم اللاعبون الجدد، إلى جانب الدولة؟ ولماذا أُطلِق عليهم اسم "المواطنين"؟
قبل الإجابة على السؤالَين السابقَين، لا بُدّ من القول إنّ لعبة الحقوق في المجتمع لا تبطل مع نشوء مفهوم الدولة، بل تبقى قائمة، ولكن هذه المرّة ضمن لعبة أكبر: لعبة الحقوق في الدولة. فيها يحتلّ المواطن مكان الفرد كلاعبٍ أساسي، إلى جانب المجتمع والدولة، كلاعبَين إضافيَّين لا تصحّ اللعبة بدونهما. وإذا كان الفرد في المجتمع يمتلك أدواتٍ حقوقيّة، مثل حقّ الحياة، والحرّيّة، والملكيّة، فإنّه، في الدولة، تُضاف إليها أدوات أخرى، كحقّ امتلاك الهويّة، وحقّ المشاركة في الحياة السياسيّة، وحقّ التصويت، بالإضافة إلى غيرها من الحقوق المدنيّة والسياسيّة، كحقّ الترشّح إلى إحدى الهيئات التمثيليّة عند مستوى المدينة أو الدولة، إلخ. وفي ما يعود إلى أصل كلمة مواطن، بالرغم من أنّ البعض يُرجعها إلى عصر الإمبراطوريّة الرومانيّة، حيث كان يُشار إلى العضو المتمتّع بحقّ الحرّيّة، والتملّك، والمساواة أمام القانون، وحقّ المشاركة في تحديد مصير المجتمع عبر التصويت، بالمواطن (Civis)، المنتمي إلى المدينة (Civitas).
إلّا أنّ خصائص المواطنة تعود إلى أبعد من ذلك، وبالذّات إلى المدن الإغريقيّة والفينيقيّة، وغيرها من المدن القديمة، حيث كان المنتَمي إلى إحداها يتمتّع بحقوقٍ مدنيّة وسياسيّة. ففي المدن الإغريقيّة، مثلًا، المواطن هو الرجل الحرّ المنتَمي إلى طبقة النبلاء، وله الحقّ في المشاركة في التصويت في الجمعيّات العموميّة.
وسأتوقّف هنا في ما يتعلّق بأصل كلمة مواطن وفي تعداد المدن القديمة التي ظهرت فيها خصائصه، إذ ما يهمّني هنا هو الإشارة إلى المواطن كلاعبٍ جديد في لعبةٍ جديدة، أدواتها هيَ بالإضافة إلى حقوقه الطبيعيّة، حقوقٌ سياسيّة، مثل: حقّ التصويت، وحقّ الحماية القانونيّة، وحقّ المساواة أمام القانون، وحقّ التعبير عن الرأي، إلخ. في الواقع، كلّ هذه الحقوق (باعتبارها أدوات المواطن)، ما كانت لتظهر لولا الدولة، كلاعبٍ أساسيّ، اتّخذ شكله القانونيّ الحديث في وقتٍ متأخّر، مع الثورة الإنكليزيّة في القرن السابع عشر. ولا بُدّ هنا من الإشارة إلى أنّ بعض الفلاسفة الإنكليز، وعلى رأسهم توماس هوبز، قد أخضعوا، في القرن الثامن عشر، مفهوم الدولة للدراسة، مبَيّنين حدوده وخصائصه، كسلطة تفرض احترام الحقوق السياسيّة لمواطنيها.
لنَعُد الآن إلى شروط لعبة الحقوق في الدولة. وكما بات معروفًا، فإنّه لكي تكون اللعبة ممكنة، وفقًا لفيتغنشتاين، لا بدّ من توافر ثلاثة عناصر أساسيّة:
1- اللاعبون.
2- الأدوات.
3- القواعد.
ولا بُدّ من التذكير هنا بأنّ تحديد الشروط الثلاثة للعبة الحقوق في الدولة لا يعني إطلاقًا إلغاء الألعاب الحقوقيّة الأخرى، أي لعبة الحقوق في المجتمع، وفي الطبيعة، وما بينها من علاقاتٍ مُعقّدةٍ ليس من السهل اختزالها، نظرًا لتداخلها. فلعبة الحقوق في الطبيعة تشمل، بشكلٍ بدائيّ، لعبة الحقوق في المجتمع وكذلك في الدولة. وعلى الرغم من هذه الصعوبة، يمكن إظهار ثلاثة عوامل لعبت دورًا رئيسًا في الانتقال من لعبةٍ إلى أخرى، من دون أن يعني ذلك إخفاء أثر عوامل كثيرة أخرى، لا مجال لذكرها هنا. وهذه العوامل هيَ: الصراع، والتعاقد، والسيادة.
والعلاقة التي تجعل هذه العوامل في تداخل هيَ علاقة "الضبط" (Ajustement). فالصراع في الطبيعة، المضبوط بالغريزة، انتقل إلى التعاقد بفعل إخضاعه الغريزيّ لضبط العقل، الذي لا بُدّ له، لكي يكون فاعلًا، من السيادة. وهكذا نُلاحظ كيف أنّه لا فصلَ بل تداخلًا في الألعاب الحقوقيّة عند مستوى الدولة، إذ لا لعبة تُلغي الأخرى، لا من حيث الأدوات، ولا من حيث اللاعبين، ولا من حيث القواعد. مَن هم اللاعبون في الدولة؟ ما هي أدوات لعبتهم؟ وما هي قواعدها؟ يمكن تقسيم اللاعبين في الدولة إلى ثلاث فئات:
1- المواطن (الفرد).
2- المجتمع (الجماعة).
3- الدولة (السيادة والسلطة).
أدواتهم هيَ حقوقهم، أي: حقوق المواطن، وحقوق المجتمع، وحقوق الدولة. أمّا القاعدة الكبرى، فهيَ كما تبيّن معنا سابقًا: الدستور، والقوانين المنبَثقة منه، باعتبارِه الركيزة التي تُدار على أساسِها لعبة الحقوق في الدولة. يُضافُ إلى ذلك قوانين وضعيّة أخرى، غرضها الأساس ضبط إيقاعِ اللعبة، بحيث لا يتعدّى أيّ لاعب فيها على حقوقِ لاعبٍ آخر. ولكن، هل نجَحَت الدساتيرُ والقوانين في ضبطِ لعبة الحقوق في الدولة؟ بعبارةٍ أخرى: هل تمكّنت من جعلِ كلّ لاعبٍ فيها يستخدم أدوات لُعبتِه، أي حقوقه، من دون أنْ يعتَدي على أدوات، أي على حقوقِ، اللاعبين الآخرين؟
وإذا ما عُدنا إلى العوامل الثلاثة المتداخلة، أي: الصراع، والتعاقد، والسيادة، فماذا نستَنتج؟
ما نستَنتجه هوَ أنّ الصراعَ لا يختفي عند أيِّ مستوى من مستويات لعبةِ الحقوق. يبقى أثره ولا يمكن لأيِّ "ضبط" مهما بلغ من القدرة على إلغائه. فالصراعُ في الطبيعة بين اللاعبينَ قائم، وكذلك في المجتمعِ وفي الدولة. في لعبةِ الحقوق في الدولة، يتَّخذ شكل صراعٍ بين المواطن من جهة، والدولة من جهة أخرى. والدولة، صاحبةُ حقّ السيادة والسلطة لا تمارس هذا الحقّ أو هذه الأداة وفق نمط واحدٍ؛ فأحيانًا تتسلّط على المواطن وتفرض عليه حقوقَها من دون مراعاةٍ لحقوقه، وأحيانًا أخرى تترك له المجال واسعًا لاستعمال أدواته، أيْ حقوقه.
في الحالةِ الأولى، ترى الدولةُ حقّها في التفرّد بإدارة لعبةِ الحقوق في إطارِها، فتكون دولةً ديكتاتوريّة متسلّطة. وفي الحالةِ الثانية، ترى أنّ اللّاعبين الآخرين لهم حقّ اختيار سلطتها، فتكون دولةً ديمقراطيّة. ولكن من الملاحظ أنّه في الحالة الثانية كثيرًا ما يستغلّ المواطنُ تسامحَ الدولة، فيطلبُ المزيد من الحقوق على حسابِ حقوقِها. وفي الحالةِ الأولى، كثيرًا ما تستغلّ الدولةُ تسامحَ المواطن، فتفرض حقوقَها على حسابِ حقوقه. في كلتا الحالتَين، لا تستقيم اللعبة. عندها تُطرَح عدّة نظريّاتٍ من قِبَل لاعبين يسعون إلى ضبطِ إيقاعِها وفق ما يرونه صالحًا لخيرِ كلّ اللّاعبين.