محاصرة هي السويداء بطبيعتها الجغرافية غير الساحلية، "حبيسة البر" في حال انفصلت عن دمشق. وبما أن سيناريو الحكم الذاتي وارد بعد الحوادث الدامية الأخيرة، خرجت مناشدات القيادة الروحية للدروز في سوريا بزعامة الشيخ حكمت الهجري إلى العلن للمطالبة بإعلان مدينة السويداء "منطقة منكوبة"، وفتح ممر إنساني مع الكرد في سوريا. ممرّ قد يخدم تهدئة الجبهة العسكرية، ويطرح الحل على طاولة الرئيس السوري أحمد الشرع، بتحويل السويداء إلى "إقليم فدرالي أقلّوِيّ مدني سوري محايد"... "ممر داوود". ممر يفتح الباب أمام كيان حكم ذاتي فعلي، يحاكي النموذج الكردي شمالًا.
حكم الأقوى بين المنهكين
يمتدّ "ممر داوود" من مرتفعات الجولان وصولًا إلى المحافظات السورية الجنوبية الثلاث: القنيطرة درعا والسويداء. بعدها يدخل البادية السورية في اتجاه معبر التنف الاستراتيجي على حدود الأردن والعراق، حيث النفط والقاعدة العسكرية الأميركية، ثمّ يتجه هذا الشريان الاستراتيجي نحو دير الزور، حيث نهر الفرات وسيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) وصولاً إلى الحدود التركية. أمّا من الجهة المقابلة فيتابع الممر طريقه نحو كردستان العراق النفطية وصولاً إلى حدود إيران.
بعيدًا من الخرائط، لا شك في أن "ممر داوود" ينسجم مع تصوّر "إسرائيل الكبرى" كدولة قوية بين فسيفساء من الكيانات الهشة، فلا يعيد تشكيل الخريطة السياسية للشرق الأوسط فحسب، بل يربط كل نقاط النفوذ الأميركي في المنطقة من الجولان والتنف حيث القواعد الأميركية مرورًا بدير الزور و"قسد" المدعومة أميركيًا، وصولًا إلى كردستان العراق المتحالفة مع واشنطن، وينتهي عند حدود إيران التي تشكل الخصم المركزي.
الاشتباكات الدائرة في السويداء أخيرًا، بكل ثقلها ودمويّتها وارتباكها، تشير إلى فشل نظام الشرع في احتواء ودمج المحافظة عبر الوساطات الروحية والدينية، واتساع التباين بين السويداء ودمشق على مستوى الهوية السياسية واقتراب لحظة إعادة تشكيل المجتمع السوري نفسه و"الطلاق الجغرافي" الميداني، وإن لم يُعلن ذلك رسمياً.
بعد سقوط الأسد، بدأت مرحلة "الشاهد العاجز". لم ترسم السلطة السورية بقيادة الشرع دائرة تخاذل بحق الأقليات الرافضة لحكمها فحسب، بل اختارت احتكار التمثيل، والتموضع في خندق تمثيل الأكثرية وتهميش (أو إخضاع) الأقليات المتمرّدة، تحت مجهر طموحات الانفصاليين (شمالًا وجنوبًا)، من دون التخوّف من الطموحات الإسرائيلية التي قصفت سوريا في الأيام الأولى لمرحلة التحرّر من نظام البراميل.
في وسط هذا المناخ الهستيري من التغييرات الاستراتيجية، ما يهمّ إسرائيل هو إيجاد واقع آمن مشابه لما كان سارياً تحت حكم العائلة الأسدية "حماة ديار بني إسرائيل". والمنطق الأمني الإسرائيلي يقول إن "السويداء المتمرّدة" على النظام السوري أكثر فائدة من السويداء الخاضعة له. فكيان درزي مستقلّ، أو شبه مستقلّ، يلعب دور "حارس جبهة" مع الجولان المحتلّ، من دون أن يشكّل تهديدًا فعليًا، ويمنح تل أبيب شريطًا حدوديًا آمنًا بلا كلفة عسكرية، هو المطلوب.
أمّا في الحسابات الأميركية، فالسويداء قد تكون الجسر المدني بين "درعا السنّية" والكرد شمالاً، في "تحالف فدرالي" غير مُعلن. وهكذا تصبح المحافظة المهمّشة تاريخيًا والمحرومة، ذات الطبيعة الجبلية الخشنة، مركزًا لهندسة سياسية جديدة، وفدرالية شبيهة بكردستان العراق.
محو "سايكس بيكو" من جبل العرب
لم تعد "إسرائيل الكبرى" في الفكر السياسي الحديث تعني السيطرة الجغرافية المباشرة من النيل إلى الفرات، بل التفوّق الاستراتيجي والاقتصادي والسياسي في هذا النطاق. إسرائيل اليوم تفضّل نموذج "المحيط الهش" من كيانات متفرّقة على حدودها: كيان كردي، كيان درزي، جيب سنّي في درعا، حزام شيعي منزوع الدسم في الجنوب اللبناني. سيطرتها على الشرق الأوسط لم تعد تحتاج إلى دبابة، بل إلى التوازنات التي تمسك بجذور الجغرافيا نحو "الوعد التوراتي"، ليس بالحرف بل بالنتيجة.
تخضع المنطقة حالياً إلى هندسة جديدة من المتوقع أن تستبدل "سايكس بيكو" الذي أثبت فشله، بنموذج من "الفدراليات المرنة" القابلة للضبط، والتي لا تختزن في صلب مكوّنات البلدان العربية الممزقة أية "هُويّات متعارضة"، بل تتجاوز حدود الـ 1916 إلى تحوّلات ما بعد "الربيع العربي" وما يُشبه "ناتو شرق أوسطي" غير مُعلن تفصل في ما بينها خرائط طوائف وموارد وتستبدل المنتدبين فرنسا وبريطانيا بالذكاء الجيو - اقتصادي تحت إشراف أميركي، وبطبيعة الحال إسرائيلي.
إذًا، لم تعد الجغرافيا تُحرَّك بالجيوش بل بالممرّات التجارية. وبهذا تكون السويداء العمود الفقري للشرق الأوسط الجديد.