كان السلاح لإزالة إسرائيل من الوجود، أصبح السلاح لبقاء «حزب الله» على قيد الحياة. لقد نقل الشيخ نعيم قاسم المعركة إلى مستوى تبدو فيه «ورقة برّاك» حبرًا على ورق. هناك ما أسماه «تهديد وجودي» للشيعة. انقلب «فائض القوة» على كل اللبنانيين إلى «فائض الانتحار» على الطائفة. قبل هذه السنوات الخمسين العجاف، ومنذ العام 1920، كان «فائض اللبنانية» في ازدياد عند الطائفة الشيعية، بتلوّناتها اليسارية والتقليدية، ثم حلت اللعنة.
بدءًا من الثمانينات، قاد «حزب الله» حملة تصفية جسدية على كوادر شيعية، من مفكرين وفاعلين سياسيين، وأضعف كل الأحزاب اليسارية، التي لعوامل عديدة كان الشيعة رؤوس حراب فيها. حتى القتال ضد إسرائيل منع عليهم. وذهب الأمر إلى أبعد، حين أصبح السلاح عقيدة وليس وظيفة. هل يمكن نزع رسم الكلاشينكوف عن شعار «حزب الله»؟ هل يمكن أن تحل آية كريمة محل «…هم الغالبون»؟ وهل يمكن تعديل «إسلامية المقاومة»؟ أحيانًا الرموز تحمل الدلالات السياسية وتُغني عن التعمق الفكري.
الدولة اللبنانية انتدبت مستشارين في محاولة الوصول مع «الحزب» إلى خاتمة سعيدة في مسألة السلاح. النقاش يجب أن يحصل بين «فقهاء» لا مستشارين. يحتاج هذا الفصيل اللبناني من «الحرس الثوري» الإيراني إلى تكليف شرعي، وعدا ذلك الكلام على السلاح مضيعة للوقت.
في الأثناء تتكفل إسرائيل بنزع الأرواح وما تيسر من سلاح. بعُرف الشيخ نعيم قاسم لبنان «وطن نهائي»، لأزمات يجب ألّا تنتهي. تقريبًا كل قرى وأحياء «البيئة» مهدمة، وواجبنا، كمُكلَّفين بالضرائب بعدما نُزعت عنا صفة المواطنين، أن نعيد إعمار جدار هنا بينما تسقط بناية هناك.
الدولة بدورها يبدو أنها لا تسمع. نعم «ورقة برّاك» نوع من «اتفاق جديد»، لأنها تحمل إضافات. كنا بالقرار 1701، ثم بعد الطيش العسكري لـ «الحزب»، سلّمنا كلنا بواقع 1701+ الذي اسمه «اتفاق 27 تشرين الثاني». الشروط التنفيذية لنزع السلاح، أُضيفت إليها شروط الإصلاح للمساعدة في ورشة إعادة الإعمار. حتى قرار التجديد لقوات «اليونيفيل» يبدو سائرًا أيضًا إلى التعديل إذا استمر «الحزب» في المعاندة والدولة في التمني.
وأخطر ما ينتظرنا أن ترامب، وعلى لسان برّاك، قد يفقد صبره ويترك مصيرنا لنتنياهو. وفي المفهوم الليكودي لا مكان للاتفاقات المبرمة، يجب أن تبقى الوقائع متحركة وفقًا للمصلحة الإسرائيلية. وهنا تتقاطع المصلحة مع «الحزب»، لأن الدم رخيص عند الإثنين وإن لأسباب مختلفة. عندما يخاطبنا الشيخ نعيم عبر الكاميرا يبدو كمن يتكلم مع ذاته.