مع حرارة الشمس اللاهبة التي تُعانق جمال لبنان، تتحول مياهه المتلألئة، سواء في المسابح، البحار، أو الأنهار، إلى ملاذٍ لا يقاوم للباحثين عن الانتعاش. لكن وراء هذه الأجواء الممتعة، يندفع الشباب أحيانًا شغفًا بـ "الشك" المتهور، سعيًا لإظهار مهاراتهم، أو ربما لإبهار من حولهم. قد يكرر الشخص القفز مئات المرات من دون إصابة، لكن قفزة واحدة خاطئة كفيلة بكسر العنق أو التسبب بما هو أسوأ بكثير، محولةً لحظة المرح إلى مأساة حقيقية.
ما تشهده عيادات ومراكز المتخصصين اليوم خير دليل على ذلك، فهذه ليست مجرد حالات فردية، بل مؤشر خطير إلى ظاهرة متنامية تتطلب وقفة جادة. إنها تنذر بعواقب وخيمة قد تُغير مجرى حياة الكثيرين في لحظة تهور غير محسوبة. لذلك، هناك قاعدة واضحة لا تستثني أحدًا: ممنوع القفز على الرأس. ولا فرق هنا بين رياضي محترف، أو هاوٍ يبحث عن الإثارة، أو متحمس يسعى لإظهار قوته؛ فالنتيجة واحدة: عجز دائم.
تتركز الإصابات الأكثر شيوعًا الناتجة عن القفز الخاطئ على فقرات الرقبة، بالإضافة إلى إصابات الرأس والنزيف الداخلي. كيف يحصل ذلك؟ يشرح الاختصاصي في العلاج الفيزيائي وتأهيل أمراض الجهاز العصبي الدكتور شارلي جبور أنه "عند الاصطدام بالماء أو قاع المسبح بطريقة خاطئة، تتولد قوة هائلة قد تؤدي إلى كسر الفقرات التي تحمي النخاع الشوكي، وهو الممر الحيوي للإشارات العصبية من الدماغ إلى الأطراف. ينتج عن هذا الكسر غالبًا شلل رباعي، يحرم المصاب من الحركة في أطرافه الأربعة. أما إذا اقتصر الحادث على نزيف في الدماغ، فقد يؤدي ذلك إلى غيبوبة، أو شلل كلي أو نصفي، تاركاً المصاب في حالة عجز دائم".
يخطئ من يظن أن هذه الإصابات لا تلحق إلا بالهواة أو الشباب المتهورين الذين يستعرضون قدراتهم أمام "الصبايا" في يوم جميل ومشرق على المسبح، "فغالباً ما نرى الرياضيين الأكثر خبرة في مراكز التأهيل، لأن ثقتهم المفرطة ومهاراتهم المزعومة تدفعهم للمخاطرة والتفنن في القفز والمباهاة بقوتهم البدنية، مما يزيد من احتمالية تعرضهم لحوادث مؤسفة".
ندم ومعاناة دائمة
يقضي المصاب بكسور الفقرات نتيجة قفزة طائشة بقية حياته نادماً على تلك اللحظة. فإصابات الشلل الكامل أو الجزئي تتطلب مساعدة شخص واحد على الأقل طوال الوقت للعناية بالاحتياجات الأساسية كالأكل والشرب والنظافة الشخصية. ويشير الى أنّ "هذا النوع من الإصابات يحتاج إلى تأهيل مستمر وعناية مركزة يومية، بما في ذلك العلاج الفيزيائي المكثف، وتمطيط العضلات، ومعالجة الفقرات للحفاظ على ليونة الجسم ومنع تكلّس المفاصل. كما يحتاج المصاب إلى تحريك يومي لحمايته من التقرحات التي يسببها الجلوس المطول على الكرسي المتحرك".
كما تتجاوز المشاكل الصحية الناجمة عن هذه الإصابات الجهاز الحركي لتشمل الجهاز التنفسي (التهابات الرئة والقصبة الهوائية)، والجهاز البولي (مشاكل في المثانة والبول)، بالإضافة إلى آلام الأعصاب والتشنجات. ويقول د. جبور: "للأسف، فإن الشفاء التام من هذه الإصابات صعب للغاية جدًا؛ فالتحسن لا يتجاوز 50 إلى 60 في المئة من الحركة والعضلات فوق منطقة الإصابة. وفي حالات نادرة جدًا، قد يتمكن المصاب من المشي بمساعدة عكاز أو "ووكر" إذا كانت الإصابة جزئية. ناهيك بالأثر النفسي والاجتماعي والاقتصادي لهذه الإصابات الذي لا يُعوض... ففقدان العمل، تأثر العلاقات الاجتماعية، العبء الاقتصادي اليومي المتمثل في تكلفة المساعدين والعلاج الفيزيائي ومعالجة المشاكل الصحية المزمنة، كلها عوامل تدمر حياة المصاب وذويه".
ممنوع القفز!
ما تشهده عيادات ومراكز المتخصصين لا تبشر بالخير، يؤكد د. جبور قائلًا: "قد يقفز الشخص مئة مرة من دون إصابة، ولكن قفزة واحدة خاطئة قد تكون كفيلة بكسر عنقه. لذا، يجب أن يكون الشعار الواضح هو: ممنوع القفز على الرأس، لأي شخص كان: رياضياً، هاوياً، أو متحمسًا لإظهار قوته. على الجهات المعنية، مثل إدارات المسابح والشواطئ، أن تضع لافتات واضحة تمنع القفز على الرأس، وعلى رجال الإنقاذ الانتباه ومنع أي شخص من القيام بهذه المخاطرة"، خاتمًا: "الحياة أغلى من لحظة طيش".
إسعافات أولية في حال وقوع حادث قفز تسبب في إصابة، يجب التصرف بحذر شديد: 1. الإنقاذ من الغرق: إذا كان المصاب غارقًا في الماء، يجب انتشاله أولاً لإنقاذه من الغرق، مع الحرص الشديد على عدم تحريك رأسه أو رقبته. 2. تثبيت الرقبة: بعد إخراجه من الماء، وضع المصاب بوضعية تثبيت للرقبة من دون أي حركة، والاتصال فورًا بالصليب الأحمر أو الدفاع المدني. 3. تجنب التحريك: الأهم من كل ذلك هو الابتعاد عن محاولة مساعدة المصاب بتحريكه؛ فالمحاولة قد تؤدي إلى تفاقم الإصابة بشكل أكبر. اتركوا الأمر للمتخصصين. |