لم تكن أحداث السويداء الأخيرة مجرد اشتباك بين مكونات اجتماعية محلية، بل كادت تتحول إلى صراع مذهبي مفتوح بين الدروز والعشائر السنية، في أخطر انزلاق طائفي لم تشهده المنطقة منذ سنوات.
تردد صدى هذه التوترات في الداخل اللبناني، حيث بدت الساحة هشة أمام أي ارتداد طائفي، وبينما جنح البعض نحو خطاب تعبوي ينذر بالانفجار، برزت أصوات عاقلة عملت على تطويق الفتنة قبل أن تتوسع، وكان لافتًا الدور الهادئ والمسؤول الذي أداه الزعيم وليد جنبلاط، وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، الذي عبرّ منذ اللحظة الأولى عن أسفه لعدم تواصل أي من القيادات السنية السياسية والروحية استنكارًا لما يحصل.
هذا العتب لم يدم طويلًا، إذ جاءت سلسلة اتصالات وزيارات لتبريد الأجواء، من مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، ثم رئيس الحكومة نواف سلام، وتاليًا اللقاء الذي جمع رؤساء الحكومات السابقين فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي وتمام سلام بالنائب السابق وليد جنبلاط، وكل ذلك حمل رسالة واضحة: طي صفحة العتب، وإعادة تثبيت منطق الحوار والتواصل الوطني في مواجهة مشهد إقليمي يغلي.
وفي السياق، كانت زيارة مفتي الجمهورية ومفتي المناطق إلى دارة السفير السعودي في لبنان وليد البخاري، وفيما حمّلها البعض أكثر مما تحمل، أكدت مصادر دار الفتوى أن الموعد كان محددًا مسبقًا، ولم تتناول ملفات كما أوحى البعض، وإن كانت مناسبة للإطلالة على الملفات الداخلية والإقليمية، لكنها شكلت مقدمة لتحرّك واسع يقوم به دريان باتجاه المراجع الدستورية الثلاثة، حيث سيزور رئيس الحكومة نواف سلام اليوم عند الثامنة والنصف مع وفد مفتي المناطق، على أن يستكمل الوفد الجولة الخميس بلقاء رئيس الجمهورية، وبعدها رئيس مجلس النواب.
وأشارت المصادر إلى أن الهدف من هذا التحرك واضح، العمل على عقد قمة روحية وطنية، تعيد التوازن إلى الخطاب الداخلي، وتشكل صمام أمان في وجه الفتنة الداخلية، من خلال التأكيد على وحدة الصف اللبناني، والاحتكام إلى العقل والحوار، لا إلى الغرائز والمواقف الشعبوية. وأكدت المصادر أن الأحداث التي حصلت في السويداء مريبة في توقيتها، لأن جزءًا أساسيًا منها هو لتحويل الأنظار عن غزة، وذلك حقق هدف إسرائيل إذ تراجعت أولوية ملف غزة وتقدم ملف السويداء.
أضافت المصادر: نحن في لبنان ومن خلال اللقاءات التي بدأتها دار الفتوى والاتصالات نريد أن نمارس دورًا يكون له تأثير إيجابي على الأحداث في سوريا، بدل من أن يمارس علينا دور نكون ساحة يؤثر فيها ما يدور في سوريا سلباً.
وأكدت أننا نعتبر أنفسنا مؤهلين لتصدير هذه التجربة الناجحة، لنؤكد وحدتنا وتماسكنا، وللتأكيد على العلاقة الوطيدة بين الدروز والشيعة والعلويين. وختمت بأن الكلام الذي وصل حد التخوين للرئيس الشرع يجافي الحقيقة، فعدد غارات العدو الإسرائيلي على سوريا التي تجاوزت 800 غارة، وطريقة التعاطي مع حركة ما ينسب إلى الدروز ورد الفعل الإسرائيلي ومحاولة تقسيم سوريا، كلها تؤكد أنهم يتوجسون خيفة من هذا النظام.