تتفاعل الأحداث في الشرق الأوسط وتأخذ كلّ يوم منحى أكثر خطورة ومأسويّة. وكانت أحداث السويداء والمناطق الدرزيّة في سوريا شهدت أعمال عنف واغتيالات مريعة. وقد سارعت إسرائيل إلى التدخّل عسكريًا في الصراع فقصفت طائراتها المراكز العسكريّة في دمشق معلنة تأييدها الواسع والحاسم في ما تسميّه "حماية الدروز"، وهو تعبير له معناه السياسي والتاريخي لأن هذه المهمّة تجعل من الدولة العبريّة الحامية للأقليات في منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن إسرائيل هي بطبيعتها دولة أقلويّة يهوديّة. وإسرائيل تريد جعل منطقة الشرق الأوسط مجموعة دول أقلويّة شبيهة بها، فلا تبقى نموذجًا غريبًا في المنطقة بل تجعل من وجودهم جسمًا قريبًا من أجسام بقيّة الأقليات وعددها 59 أقليّة (دينيّة وإثنيّة ولغويّة)، وهي تشكّل أهم وأكبر تجمّع أقلوي في أيّة منطقة من مناطق العالم. الجماعة الدرزيّة هي واحدة من أبرز وأقدم هذه الأقليات، وهي فرع من فروع الإسلام الشيعي، وهم يعرفون بالموحّدين، مؤسّسهم محمد بن اسماعيل الدرزي 1020 ميلادية، والدروز على خصوصيتهم الأقلويّة فهم يشدّدون على كونهم موحّدين، الصفة التي تجعلهم جزءًا من الدين الإسلامي التوحيدي.
1- تنتشر الطائفة الدرزيّة في سوريا ولبنان وإسرائيل والأردن، وهاجر بعضهم إلى بلدان الاغتراب ومنها فنزويلا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، والجامع بين الدروز والموارنة هو اختيار الجبل كمركز للإقامة بحيث يتحوّل الجبل إلى موقع ومركز للحياة والدين في آن: للحياة إذ يتحصّنون فيه ضدّ الغزوات من أهل الساحل والمحيط والامتداد الصحراوي (كما هي حال البدو العرب)، وللدين بحيث يعيشون فيه حرّيتهم وخصوصيّتهم بأبعادها الدينيّة واللاهوتيّة. ولذا لُقب الجبل الذي يقيمون فيه بـ "جبل الدروز" الذي شاؤوا مع التطوّر العقائدي العربي أن يُطلقوا عليه تسمية "جبل العرب"، كي لا يكون علامة غريبة في وسط عالم عربي جغرافيًا وبشريًا ودينيًا. وهي التجربة التي لم يقع فيها موارنة لبنان، إذ من البدء رفضوا أن يطوّبوا جبل لبنان على أنه جبل الموارنة لأنهم شاؤوه جبلًا لهم وللحرّية والأحرار من كلّ الأقليات والشعوب والأمم في المنطقه والعالم.
2- يبلغ عدد الموحّدين الدروز في العالم نحو مليون ونصف، موزعين في البلدان التي ذكرناها، ومن مميّزات هذا التوزيع:
أ- أنهم في شرقي المتوسط وعلى ذرى التلال داخل إسرائيل ولبنان وسوريا، يضاف إليه أن مركزيّة الدروز تقع على حدود الدول الثلاث، سوريا ولبنان وإسرائيل. هذه المركزيّة الجغرافيّة تعطي الدروز أهميّة جيوستراتيجيّة من حيث تأثّرهم وتأثيرهم في الأحداث التي تشهدها هذه الدول. ذلك أن للدروز تأثيرًا أكيدًا وواضحًا عليها، لذا تجتهد هذه الدول كي تقيم علاقات طيّبة ووديّة مع الدروز كي يكونوا سندًا لها في أيّة حرب محلّية وإقليميّة، خاصة وأن المعروف عن الرجال الدروز أنهم قوم أشداء في القتال والمواجهة.
ب- إن وجودهم التاريخي داخل فلسطين وبالتالي داخل إسرائيل جعلهم عامل توازن ومواجهة مع الغالبيّة العربيّة السنيّة في الدول المحيطة، وهكذا انعكست مفاعيل الصراع العربي - الإسرائيلي حول فلسطين على علاقه الدروز بالجانبَين. واختلفت بل تناقضت النظرة إلى دورهم في الأحداث الجارية في مسار الصراع العربي - الإسرائيلي، وإن وجودهم "الطبيعي" داخل فلسطين التاريخيّة جعلهم أصدقاء لإسرائيل وأعداء للعرب في آن، وهو ما سمح للدولة العبريّة باستخدامهم داخل قواتها المسلّحة لضرب من تعتبرهم أعدائها داخل المعسكر العربي - المشرقي.
ج- انطلاقًا من هذا الواقع التاريخي - الجغرافي اجتهدت إسرائيل في الاستفادة من وجود أقليّة درزيّة لديها وسَعَت كي تضعها في المراكز الأمنيّة الحساسة: الجيش والأمن والمخابرات والمهمّات الصعبة. وهذا الهدف الذي شاءت إسرائيل أن تجعل منه نموذجًا لعلاقتها بالعالم العربي خلق إشكاليّة كبرى لدى الدروز بين كونهم كيانًا عربيًا أم كيانًا إسرائيليًا. وهذا التناقض في الهويّة والانتماء رافق الجماعة الدرزيّة منذ بداية النهضة العربيّة في القرن العشرين. ولعلّ نموذجها الأبرز هو دور سلطان باشا الأطرش، الزعيم الدرزي في الثورة العربيّة، حيث قاد الخط العروبي في التحالف الدرزي العربي ضدّ خط الانعزال الأقلوي، فصار بكل فخر زعيم النهضة العربيّة في وجه الاستعمار والانفصال.
د- على أن سوريا النصف الأوّل من القرن العشرين ليست سوريا اليوم في زمن الصراعات التي تواجه الرئيس أحمد الشرع من كلّ جانب، خاصة وأن سوريا هي ميزان القوّة والتوازن في المنطقة، فالسيطرة عليها هي مهمّة جيوسياسيّة أساسيّة ومصيريّة للمنطقة كلّها، بما فيها وربّما في أوّلها لبنان الذي بدأ تلامذة كيسنجر في السياسة الأميركيّة يذكرونه ببلاد الشام، والتحالف الأميركي - الإسرائيلي يرتكز على مشروع كيسنجر القائم على الخطوط الحمر حول لبنان لجعله تحت النفوذين الإسرائيلي والسوري، كونه، في رأي كسنجر، بلدًا زائدًا عن بلدان المنطقة، وبالتالي فيه فائدة استراتيجيّة لإسرائيل وإمكانيّة لتوطين بعض الفلسطينيين.
ه- إن أحداث السويداء شكّلت علامة فارقة في الاتصال بين الدروز والبدو والعرب لعلّها من أسوأ وأصعب وأخطر العلاقات الأكثر طائفيّة في المنطقة، نظرًا لما حملته من حقد وإجرام لدى الجانبَين، الأمر الذي لم يكن يتصوّره أحد من قبل. إن وصول عدد الضحايا في ساعات قليلة إلى حدود الألف قتيل، كما ذكرت بعض وكالات الأنباء، يدلّ بوضوح على الدمويّة القاتلة التي تصرّف بموجبها الجانبان في ما يسمّى المواجهة المصيريّة، ومثل هذه المواجهة تستوجب زمنًا طويلًا وصبرًا طويلًا أيضًا لنسيانها، إذا أمكن، من قبل الجانبَين. كما تخلق جوًا مليئًا بالحقد واللاسلام بين الجانبَين. وهذا ما تشهده الآن عمليّة ايجاد حلّ بوقف القتل وإحلال السلام في المنطقة، وهو ما يعمل له بشكل مباشر الزعيم الدرزي السيّد وليد جنبلاط وبعض المشايخ الذين يعملون لتجنب الوصول إلى الأسوأ. ولكن مهمّتهم القائمة فوق الدم والجثث ليست أمرًا هيّنًا.
و- ولعلّ العامل الأبرز الذي يزيد الطين بلّة هو التدخل الإسرائيلي العسكري المباشر من خلال القصف بالطائرات داخل السويداء، فإسرائيل تجد هذه الفرصة المناسبة لـ "حماية الدروز" من الأكثريّة العربيّة كما تريد وتزعم إسرائيل، إذ إنها تجد في أحداث السويداء إعلان نذير لحرب طالما تمنّتها وسَعَت إليها، ألا وهي حرب الأقلّيات والأكثريّة. وكما يقول كاتب سوري: إن مشكلة الأقليات هي قبل كلّ شيء مشكلة الأكثريّة.
لقد كان نظام الرئيس السوري الشرع يعمل ويجتهد لبناء نظام جديد في سوريا يقوم على أطلال العهود الديكتاتورية السابقة... وها هو يصطدم فعلًا بصراع لم يكن يتوقعه. صراع يهز نظامه بكلّ مقوّماته الدينية والسياسية والإثنية. إنها سوريا الصعبة. سوريا النظام المستحيل!