كشفت أحداث السويداء والمجازر التي ارتُكبت خلالها والناجمة عن الاشتباكات بين دروز جبل العرب وجيرانهم من البدو وقوات أحمد الشرع، هشاشة مفهوم الدولة، ليس فقط في سوريا بل في المشرق العربي بأسره. كما ذَكّرت من جديد بخطورة الاستخفاف بالمفاهيم التأسيسية للدولة الحديثة، لا سيما لجهة حق المواطن في الحياة والحرية والكرامة الإنسانية. ما حدث في السويداء من محاولة لتأديب الدروز وإخضاعهم لحكم أحمد الشرع يتجاوز استخدام العنف المفرط، ويتعدى النزعة الاستبدادية التي تطبع أنظمة الحكم في المنطقة، في محاولة لإرساء الشرعية بواسطة الحديد والنار.
تُنذر أحداث السويداء الدامية بشكل صارخ بخطورة التسليح واستغلال الذاكرة الجماعية التاريخية، خصوصاً المذهبية، في خدمة أهداف سياسية آنية وظالمة.
إن حملة الشرع على الدروز لا تختلف عن الحملات العثمانية التي استمرت لأكثر من قرن ونصف، والتي أرّخ لها أستاذي الراحل عبد الرحيم أبو حسين في كتابه "صناعة الأسطورة والتمرد الطويل"، إذ فضح الأساطير المتعددة حول الكيانين الدرزي والماروني اللبنانيين، وسلّط الضوء على كيفية استخدام الحملات العسكرية العثمانية لإخضاع الدروز وتَحَولها من صراع على العصيان السياسي ودورهم في حماية الثورات المملوكية، إلى حملات جهادية تحاسب الأفراد على "شِركهم" و"زندقتهم" و"خروجهم" عن الإسلام.
لقد حَرَق قائد تلك الحملات، إبراهيم باشا، القرى الدرزية، ونقل رؤوس المقاتلين والمدنيين الدروز إلى الشام، بالإضافة إلى كتبهم الدينية، لتبرير قتلهم وإبادتهم، تماماً كما فعل نظام الشرع أو بعض مقاتليه عندما استباحوا المقدسات الدينية والاجتماعية بذريعة عدم "سُنّية" أبناء القرامطة.
المقارنة هنا ليست بهدف تأجيج الخلاف، بل للتركيز على فكرة ترفض الاعتراف بها الدول الهشّة في منطقتنا: إن الاختلاف السياسي لا يعني بالضرورة خلافًا وجوديًا يستوجب الاقتتال حتى الرمق الأخير، وأن خصوصيات الأفراد، لا سيما الأقليات، لا تشكّل إهانة للطبقة الحاكمة أو للأكثرية، بل إن الاختلافات والنقاشات هي التي تجعل من الكيان السياسي والاجتماعي كيانًا قابلًا للحياة.
خلال الأسبوع المنصرم، انشغل الإعلام العربي والغربي بمحاولة شرح ماهية الدروز، وخلفيات الصراع مع البدو الذي يعود إلى القرن الثامن عشر، والتساؤل عن منطق ما يجري من أحداث دامية أو عَبَثيته. ورغم أن الدروز يُنظر إليهم كأقلية، وأن العنف ضدهم يبدو أكثر وحشية، فإن العنف بكل أشكاله، إذا ما استهدف أي مكوّن من مكوّنات المجتمع السوري، يبقى عنفًا مرفوضًا. وبالتالي يجب أن ترتفع أصواتنا ضد تهجير البدو وسفك دمائهم بالنبرة نفسها التي نددنا بها بسفك الدم الدرزي.
على غلاة المدافعين عن الشرع من السنّة، لكونه "الرجل القوي"، أن يحذروا من تبعات هلوساتهم المذهبية، فالعنف الموجّه ضد "الطائفة الكافرة" بحسب زعمهم، قد يرتدّ ضدهم في غفلة عين، لمجرد اعتراضهم على سيطرة هيئة تحرير الشام أو أي من الفصائل الأخرى على قرارهم المحلي.
في الإطار اللبناني، وربما الأهم، إن الغضب الدرزي حيال مشاهد التنكيل والقتل التي طالت إخوانهم في العقيدة، وما قابله من دعم سنّي للشرع، عقّد صفو السلم الأهلي. وهو أمر متوقع وطبيعي في ظل غياب الدولة ومفهومها، وتقاعس الطبقة السياسية عن السماح بنشر ثقافة الدولة والقانون. قد يكون من المقبول أن تتجاوز مشاعر الجماعات الدينية والسياسية حدود الدول، لكن من غير المقبول أبدًا أن تقترن تلك المشاعر بأفعال عابرة للحدود، كما حصل عندما ذهب مقاتلو "حزب الله" لقتل الشعب السوري نصرةً لبشار الأسد، ودفاعًا عن "خط طهران – بيروت".
وما يُعَمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، هو أن الدولة اللبنانية الرسمية لم تكلّف نفسها عناء إصدار بيان إدانة أو حتى تعزية بمقتل مواطنين لبنانيين في السويداء، وكأن دم هؤلاء أرخص من أن يُذكر. فبدلًا من الاضطلاع بدور وطني وأخلاقي تجاه أبنائها، انشغل أركان السلطة بمحاولات التضليل الإعلامي والتذاكي السياسي خلال زيارة المبعوث الأميركي توم برّاك، في مسعى بائس لتظهير الدولة بحُلَة "السيادة" و"الاستقرار"، فيما الواقع يكشف عن دولة غائبة عن مواطنيها، صامتة عن المجازر التي لحقت بهم، ومتعجرفة في نكرانها للألم الذي يتعرّض له بعض أبنائها خارج حدودها.
ختامًا، إن الرهان على السلاح، سواء في إطاره السوري أو اللبناني، في غياب مشروع سياسي وطني، يبقى نزعة انتحارية، سواء أتت من الأقليات على اختلافها أو من الأكثرية السنّية. إنه درس وامتحان، إذا رسب فيه المرء، يُقتل أو يُهان.