ميشال طوق

"حزب الله": بين أوهام الانتصار وواقع الانهيار

5 دقائق للقراءة

منذ ما يزيد عن عقد ونصف العقد، يقاد لبنان من أزمة إلى أخرى كمن يسير إلى حتفه وهو لا يملك من أمره شيئاً. ومنذ حرب تموز 2006، لم يعرف هذا الوطن طعماً للسكينة، حيث جلبت مغامرات "حزب الله" الوخيمة الويلات على البلاد، وفتحت أبواب الجحيم أمام الشعب اللبناني تحت شعارات “المقاومة” و”تحرير فلسطين”. واليوم، وبعد كل ما أُريق من دماء وضُرب من بنى تحتية، يعود الحزب ليُسمعنا نغمة انتصاراته الوهمية، كمن “يبيع الماء في حارة السقّايين”.



إن إصرار "حزب الله" على تصدير خطاب الحرب والمواجهة، متجاهلاً الواقع المأزوم الذي يعيشه لبنان، لا يفسَّر إلا في إطار نرجسية سياسية ترفض مراجعة الحساب وتمعن في المكابرة. فالسياسات التي يتبعها الحزب اليوم تنأى كل النأي عن الحكمة، وتبتعد عن العقلانية بمسافات شاسعة. فهو يبحث عن أي ذريعة تُبرر له الانخراط في الصراع الإيراني – الإسرائيلي، وكأن لبنان فُرض عليه أن يكون وقوداً لحروب لا ناقة له فيها ولا جمل.



يدّعي الحزب أن سلاحه هو لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن الحقائق على الأرض تُكذب هذا الادعاء. فحتى الساعة، لم يتحقق التحرير الكامل للأراضي اللبنانية، وفي مقدمتها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، بل بقي الاحتلال جاثماً، وكأن السلاح الذي لطالما صدّع الحزب رؤوسنا بضرورته، عاجز عن إنجاز الهدف الذي من أجله رُفع.



أضف إلى ذلك، أن هذا السلاح لم يعد يُستخدم حصراً ضد العدو، بل تحوّل إلى أداة تُستعمل في الداخل اللبناني لقمع الخصوم، وفرض الهيمنة، ومصادرة القرار السيادي. لقد أصبح واضحاً للعيان أن سلاح الحزب ليس فقط للمقاومة، بل هو ذراع عسكرية إيرانية في قلب المشرق العربي، ينفذ أجندات طهران بحذافيرها، ويُغلفها بشعارات دينية ووطنية لا تمدّ إلى الواقع بصلة، فليس كل من حمل السيف فارساً.



من غير المقبول، بعد كل ما مرّ به لبنان من ويلات منذ عام 1990 وحتى اليوم، أن يبقى هذا البلد رهينة لمشاريع كبرى تُحاك خارج حدوده، وتُنفذ بأيدٍ لبنانية تستبيح سيادته ومؤسساته. إن لبنان، الذي يحاول منذ انتهاء الحرب الأهلية أن يعود إلى سكة الدولة والنهوض الاقتصادي والاجتماعي، لا يحتمل مزيداً من المغامرات ولا من “الثورات المستوردة”. فالبلد أنهكه الفقر، وفتّت نسيجه الاجتماعي، وانهارت مؤسساته، فكيف يمكنه أن يكون حاضنة لمشروع أممي ديني قائم على تصدير الثورة الإسلامية؟



إن الشعب اللبناني، المُرهق من الأزمات والانهيارات، لم يُكلَّف يوماً بمقاومة إسرائيل، وليس من واجبه تنفيذ مشاريع خارجية لا تلتقي مع مصلحته الوطنية، فلا ينبغي تحميل اللبنانيين وزر مشاريع تتخطى حدودهم وثقافتهم وتاريخهم.

إن "حزب الله"، في سعيه إلى ترسيخ نفوذه، بات يتجاوز بشكل فاضح سقف الدستور والدولة، ويُمارس وصاية و هيمنة أمنية وسياسية على القرار الوطني. فهو يقرّر السلم والحرب، يفتح الجبهات ويغلقها، ويُدخل البلاد في تحالفات لا إجماع عليها. وقد نُصبت له مؤسسات موازية داخل الدولة، حتى أصبح كياناً قائماً بحد ذاته، يُعامل الداخل اللبناني وكأنه مجرد مجموعة ممنوعة من معارضة مشاريعه و ممارساته الإلاهية.



من أراد أن يُقاوم الاحتلال الإسرائيلي من منطلقات دينية أو أممية، أو أن يُقيم دولة إسلامية كبرى تمتد من طهران إلى الضاحية، فليبحث له عن ساحة أخرى. لبنان، هذا الوطن الذي وُلد عام 1920 بمساحته الكاملة 10452 كليلومترًا مربعًا، لا يحتمل المشاريع المستوردة. فمشروعه الوحيد هو مشروع الدولة المدنية، المتعددة، المتساوية، التي تحتضن كل أبنائها في ظل القانون، و تنبذ كل من نبذها و فضل اي مشروع غريب عليها.


كل من لا يؤمن بلبنان ككيان موحد وسيّد ومستقل، وكل من يُجاهر بولائه لدولة أجنبية كما فعل أمين عام "حزب الله" السابق السيد حسن نصرالله عندما أعلن أن “ولاءه المطلق هو للولي الفقيه في إيران”، لا مكان له في الحياة السياسية اللبنانية. فمن خان وطنه لحساب غيره، فقد خان أمانة الانتماء، وتنكّر لوطنه وأهله.



وكما قيل في الموروث اللبناني: “اللي ما فيه خير لأهله، ما فيه خير لحدا”. فكيف لحزب ينتمي فكرياً وسياسياً إلى دولة غير لبنان، أن يزعم تمثيل مصالح اللبنانيين؟

لقد آن الأوان لنقولها صراحة: "حزب الله"، بهذا النهج الذي يسلكه، ليس سوى مشروع دخيل على الكيان اللبناني. هو مشروع يسعى لتفكيك الدولة من داخلها، وتحويل لبنان إلى قاعدة متقدمة لإيران في المنطقة. والمشكلة لم تعد فقط في سلاحه، بل في عقيدته التي لا تعترف بالحدود، ولا بالشراكة الوطنية، ولا بمفهوم الدولة الحديثة.



فإما أن يعود الحزب إلى كنف الدولة، ويتخلّى عن وهم الثورة والتوسع، ويؤمن بلبنان وطناً نهائياً لجميع أبنائه، وإما أن يكون واضحاً في تموضعه، ليُقال له: “هذا فراق بيننا وبينك”، و ذالك في حال نجى من سياسته الغبية و المتهورة التي ستقضي عليه حتماً.

فلبنان لم يعد يحتمل، والناس لم تعد تصدق، والمرحلة تتطلب رجال دولة، لا حراس عقيدة، وشركاء وطن، لا خدم مشروع غريب.