تتحرّك الدول المؤثرة وفق مصالحها الاستراتيجية والجيوسياسية والجيواقتصادية، هذا أمر مفروغ منه، بصرف النظر إن أصابت الغاية المرجوة أم لا. لكن مقاربة الدول لمصالحها تختلف من قضية إلى أخرى، فما هو مرفوض بشكل قاطع في ساحة معيّنة قد يكون ضروريًا في ساحة أخرى. وفي الحالتين، قد يستدعي الأمر تدخلًا عسكريًا لمنع تجسيد أمر واقع أو لتحقيقه. وهنا بالذات تبرز ازدواجية المعايير بتعاطي أنقرة الشؤون الخارجية، ما يعتبر أمرًا واقعيًا يتخطّى المواقف المبدئية العلنية التي تدّعي الثبات على نهج واحد. صعد النفوذ التركي مع كسب البراغماتي أردوغان، الذي ينتهج سياسات مصلحية مكيافيلية، إنما مشبّعة بنظرة عقائديّة كاملة الدسم، "الرهان السوري"، بانهيار نظام الأسد وتربّع أحمد الشرع على عرش السلطة في دمشق. وتاليًا، لن تتهاون أنقرة مع أي تهديد يطرق باب النظام السوري الوليد وستفعل كلّ ما في وسعها لتأمين مصالحها الحيوية وأمنها القومي.
لهذا، جعلت أحداث السويداء الدموية، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتوعّد الثلثاء بأن بلاده ستتدخّل بشكل مباشر لوقف أي محاولة لتقسيم سوريا، محذرًا "وحدات حماية الشعب" الكردية من "كارثة استراتيجية كبيرة" حال استغلالها الفوضى لتحقيق الحكم الذاتي أو الاستقلال عن سوريا. بيد أن هذا الموقف التركي الحازم المناوئ للتقسيم في سوريا، يُقابله تمسّك أنقرة الصارم بضرورة تثبيت تقسيم قبرص وشرعنته دوليًا. فقد جدّد أردوغان في 20 من الشهر الحالي بمناسبة الذكرى الـ 51 لغزو القوات التركية للجزيرة المتوسطية، تأكيد دعم بلاده الكامل لحلّ يقضي بقيام دولتين في قبرص، داعيًا المجتمع الدولي إلى "التصالح مع الحقائق على الأرض" وتقبّل التقسيم القائم منذ العام 1974 إثر اجتياح تركيا شمال الجزيرة عقب انقلاب في نيقوسيا بدعم من المجلس العسكري اليوناني آنذاك.
بالنسبة إلى أنقرة الساعية إلى اعتراف دولي بانفصال "جمهورية شمال قبرص التركية" عن جمهورية قبرص، ما يحق للقبارصة الأتراك، الذين أصبحوا أقلّ عددًا من المستوطنين الأتراك في شمال الجزيرة التي يحتكر "قصر العدالة والتنمية" في أنقرة "مفتاح" تحديد مصيرها، لا ينطبق على السوريين الكرد الذين دفعوا ضريبة دم باهظة، وما زالوا، في محاربة "الإرهاب الإسلامي" والدفاع عن وجودهم الحرّ، ولا ينطبق كذلك على الأتراك الكرد، بطبيعة الحال. من حق كرد سوريا وتركيا والعراق وإيران تقرير مصيرهم، الأمر الذي، في "عالم عادل" غير متوفر حاليًا، من المفترض تحقيقه لأي شعب متمايز عن محيطه يسعى إلى الحرّية والاستقلال، بيد أن مصالح الكبار تطغى أحيانًا كثيرة على تطلّعات شعوب حَكَمَ عليها التاريخ بـ "لعنة الجغرافيا".
ساهمت تركيا في تقسيم دول ورفضت تجزئة أخرى، فكانت من الذين دعموا استقلال كوسوفو عن صربيا، بينما وقفت إلى جانب أذربيجان وساندتها في حربها الأخيرة مع أرمينيا لتقضم "جمهورية أرتساخ"، التي انهارت في نهاية المطاف وسقطت بضربات جيش باكو وهُجّر سكّانها الأصليين الأرمن من أراضي أجدادهم إلى أرمينيا، بمباركة أنقرة ورعايتها. لكن هل يَقبل أردوغان بأن ترحّل نيقوسيا القبارصة الأتراك إلى تركيا؟ أو يوافق مثلًا على خطط إسرائيلية لإعادة توطين الفلسطينيين في دول أخرى لتضمّ الدولة اليهودية كافة أراضي "يهودا والسامرة"، أي الضفة الغربية، وقطاع غزة؟ طبعًا لا. تختلف معايير تركيا جذريًا حسب هويّة المُستهدف أو اللاعب المعني، الدينية والإثنية واللغوية، وبالتأكيد بما يتوافق مع أجندة "السلطان الجديد" وخلفيّاته وطموحاته وأهدافه.
تباهى أردوغان واحتفل عام 2020 بإعادة تحويل كلّ من كاتدرائية آيا صوفيا وكنيسة خورا التاريخيّتين، من متحفيْن إلى مسجديْن، وسط منطقة لا يخلو حيّ فيها من جامع، لحشد المزيد من التأييد في الشارع الإسلامي. لكن ما سيكون عليه موقف أردوغان مثلًا إذا ما قرّرت إسرائيل يومًا هدم "المسجد الأقصى" لتشييد "هيكل سليمان" مكانه؟ وما هو المثال الذي قدّمه على مرأى المعمورة بأسرها عندما أمعن في تعميق الهوّة مع العالم المسيحي ونكء جراح قديمة بالتطاول على رموزه؟
يُعلّمنا التاريخ أن القوي هو من يقرّر ويفرض إرادته على الآخرين، فالقوّة هي الحكم الأخير على وجه الأرض. لطالما حمّل أردوغان، حليف الأميركيين والأوروبّيين الصعب، الغرب، مسؤولية مشكلات تركيا والدول الإسلامية، مكرّرًا زعمه بوجود "حملة صليبية ضدّ الهلال" لاستقطاب الجماهير وتحريضها دينيًّا و"قولبتها" خدمة لمقاصده المعروفة. لكن ما تتوجّس منه أنقرة، أن السحر قد ينقلب على الساحر في لحظة مفصلية حرجة، خصوصًا إذا ما أضحت موازين القوى في غير مصلحة "العابث" بمصائر الآخرين.