راشيل علوان

غزة... بطونٌ خاوية تواجه الموت البطيء

3 دقائق للقراءة
بات الأطفال يموتون من الجوع في القطاع (رويترز)

تعيش غزة واقعًا يفوق أبشع الكوابيس، واقعًا ينهك فيه الجوع أجساد الغزيين ويخنق التجويع أملهم بالحياة. غزة اليوم ليست جائعة بل مجوّعة، حتى بات الحصول على كيس من الطحين سببًا لفرحة لحظية لا تدوم، فتعود لتصدح أصوات البطون الفارغة والجائعة في خيام النازحين وتعلو على أصوات القصف والصواريخ والموت.


هي ليست المرّة الأولى التي تعاني فيها غزة من الحصار، فمنذ عام 2007، يعاني القطاع من حصار خانق فرضته إسرائيل، ورافقه إغلاق المعابر ومنع دخول الكثير من المواد الأساسية. ومع كلّ تصعيد عسكري، تتفاقم الأوضاع، فتُدمّر البنية التحتية، ويُمنع دخول المساعدات، ويُحرم السكان من أبسط حقوقهم في الغذاء والدواء.


لكن عام 2024 هي المرّة الأولى التي يبلغ الحصار فيها هذا المستوى، حيث انهار النظام الغذائي بشكل كامل، فأكثر من 90 في المئة من الغزيين لا يحصلون على ما يكفي من الطعام يوميًا، أو حتى لا يحصلون عليه لأيام، وبات الأطفال يموتون من الجوع حرفيًا في مشهد يصعب تصديقه في القرن الواحد والعشرين، أرواحٌ بريئة بأجساد هزيلة تواجه الموت البطيء بصمت، ولا من يدافع عن حقّها في الحياة.


أكثر من 100 منظمة عالمية حذرت من "مجاعة جماعية" في غزة، بينما المستودعات خارج القطاع لا تزال فيها أطنان من الغذاء والمياه والإمدادات الطبية والوقود غير مستخدمة، محاصرة وغير مسموح للمنظمات الإنسانية بالوصول إليها أو تسليمها. أمّا عند المواقع المحدّدة لتسليم المواد الغذائية فيواجه الغزيون الموت بالرصاص والقنص للحصول على صندوق لا يكفي عائلة واحدة لعدّة أيام.


إنّه الواقع المرير والحقيقة الأمرّ، هو سلاح التجويع الذي تعتمده إسرائيل ضدّ الغزيين، وكأنها تقول لهم: "من لم يمت منكم بالرصاص فسوف يموت من الجوع"، ولا من يحاسب أو يوقف هذا التجويع القاتل. حتى اللحظة، لا إجراءات لمنع إسرائيل من المضي في سياسة التجويع، بل تطلق بياناتٌ وتحذيراتٌ دولية، واستنكاراتٌ وشجب، وكأن ما يجري في غزة مجرّد أزمة سياسية أو تداعيات حرب، فيما الواقع أنه جريمة تجويع جماعي لا يمكن السكوت عنها، ويحتاج العالم اليوم إلى أن ينظر إلى غزة بعيون الإنسانية لوقف هذه الجريمة وإنقاذ من تبقّى من إنسان في القطاع المدمّر، حيث تتناثر الحياة موتًا بطيئًا.


في المقلب الآخر، "حماس" سلّمت ردّها على مقترح الهدنة الأخير وإسرائيل تدرس الردّ، فيما يأمل الغزيون في التوصّل إلى هدنة. هدنة طال انتظارها في قطاع مدمّر، أهله جوعى، منهكون ومنكسرون بصمت، تجمعهم صرخة واحدة لمن يفاوض باسمهم : "أنقذوا من تبقّى لنا". هي صرخة الصحافي الفلسطيني طارق دحلان، الغزّيّ النازح إلى وفد "حماس" المفاوض، وشارك "نداء الوطن" صرخته هذه كاتبًا: "أن تحرّر الأرض لا يعني أن تُفنى أرواح أهلها... لا تُرفع راية الانتصار على أنقاض الأطفال ولا يُكتب المجد في عيون الجوعى والمكلومين. فلسطين التي نحلم بها لا تُبنى على رماد شعبها، في لحظة كهذه التنازل ليس هزيمة بل إنقاذًا، هو اعترافٌ بأن الحفاظ على ما تبقّى من حياة هو أولوية قبل أي شعارات، وأن الإنسان أغلى من كلّ الأرض إن غابت عنه الحياة... خذوا قرارًا لا يُرضي التاريخ فقط بل يرضي ضمائركم وينقذ من تبقّى لنا". فهل تصل الهدنة المنتظرة إلى خواتيمها هذه المرّة فتنقذ ما تبقّى من حياة في غزة؟