عند منتصف الليل، تبدأ بيروت بالتبدّل. تسكت الضوضاء اليومية، وتنسحب الدولة شيئاً فشيئاً من شوارعها، لتُسلِّم زمام الليل لأصحاب النفوذ الأقوى: الميليشيات؟ الحمايات الخاصة؟ "الزعران"؟ أم الفقر واليأس؟ بيروت لا تنام، لكن من يسهر عليها؟
في الجميزة والحمرا ومار مخايل، يبقى ضوء الحياة مشتعلاً، ولكن ليس للجميع. شباب يسهرون في البارات، وفتيات يمشين بثقة، لكن أيضاً بخوف. فحتى في الأماكن "الآمنة"، يحدث أن تُسحب فتاة من يدها في زقاق معتم. يحدث أن يُسأل شاب عن مذهبه. يحدث أن تمر سيارة "مفيّمة" بلا لوحات، ولا أحد يجرؤ أن يسأل.
في طريق الجديدة، البسطة، والخندق الغميق، الليل ليس للهو، بل للبقاء. تجوُّل دراجات نارية، أصوات رصاص أحياناً، عناصر حزبية أو أمنية بلباس مدني. من يسيطر؟ لا أحد يعرف، أو بالأحرى، الجميع يعرف ولا يتكلم.
شرطة السير تختفي بعد الساعة 9. عناصر قوى الأمن نادرًا ما تُرى في الشوارع الداخلية. أما البلديات، فلا وجود لها إلا عبر مستوعبات النفايات المزدحمة.
ليلى، 24 سنة، تقول: "إذا اضطررت أرجع مشي من الجميزة على بيتنا بالبسطا، بمشي وقلبي عم يدق. مش من الناس، من السيارة يلي ممكن توقف، وتنزل شباب يسألوني: لوين رايحة؟".
زياد، موظف توصيل، يؤكد: "بالليل بشوف كل شي. مشكل سكاكين، دراجات بتسرق موبايلات، شباب من نفس الحي بيتخانقوا عالسلاح".
بيروت لا تعود نفسها بعد منتصف الليل. تتحوّل إلى مدينة بلا قانون، بلا مرجعية. في وضح النهار، يتقاسمها السياسيون والطوائف. أما في الليل، فملكيتها تُترك لمن لا يُسأل... ولا يُحاسب.