منذ إعلان وفاته، سارعت بعض الأقلام إلى محاولة اختزال زياد الرحباني في زاوية سياسية ضيقة، وكأن فنانًا بحجمه يمكن أن يُحصر في خانة أيديولوجية أو أن يصبح مجرد جزء من ماكينة ثقافية محدودة الخيال. لكن الحقيقة أن زياد، منذ بداياته، كان حالة فريدة، وصوتًا متفردًا لا يشبه أحدًا سواه.
زياد لم يكن مجرد غصن في الشجرة الرحبانية، بل كان غصنًا مميزا بلونه وشكله وجنونه وعبثيته وتمرده. لقد خرج من عباءة الرحابنة الفنية ليجمع بين كلاسيكيتهم وعشقهم للوطن، وبين نقدٍه اللاذع لواقعه الأليم. في مسرحية "فيلم أميركي طويل" لخّص ببراعة شعور جيل كامل بأن مصيره يُدار من الخارج، قائلًا على لسان إحدى شخصياته: "شو بدكن أكتر من هيك؟ في فيلم أميركي طويل نحنا فيه، وكل شي عم يصير هو مشهد منو... والمخرج مش لبناني!". كانت هذه الكلمات تلخيصًا دقيقًا لوطن تحوّل إلى ساحة تصوير لحروب الآخرين.أما في مسرحية "بالنسبة لبكرا شو؟"، فقد رسم صورة بيروت التي التهمت أحلام شبابها. المقهى، الحانة، الشقة الفارغة، كلها رموز لتحطم آمال جيلٍ بأكمله على صخور المصالح والحروب والفوضى. على لسان شخصية زكريا، قال زياد: "هالمدينة بتاكل الناس... واللي بيجرب يفل بيضل حامل جوعو معو." هكذا، كانت بيروت في عيون زياد متاهة صعبة قاسية لا تُحل، مكانًا صاخبًا وعبثيًا، لكنه خالٍ من المعنى والرحمة والعدالة.
لم يخفِ زياد يومًا ميوله اليسارية الشيوعية، لكنه لم يكن أبدًا أسيرًا للحزب الشيوعي اللبناني. كان دائمًا في موقع الناقد والرافض، حتى داخل صفوف "اليسار" و"الممانعة" لاحقًا. زياد فهم السياسة كموقف أخلاقي لا كتحالف أعمى، ولذلك لم يكن مقبولًا بسهولة لدى أي جهة. في مقابلة تلفزيونية بعد حفلة الناقورة، وجه زياد انتقادًا مباشرًا وقاسيًا لحزب الله، مشيرًا إلى أن المقاومة لا تكفي وحدها إذا قتلت او أهملت رفاقها. قال زياد بوضوح: "ما بقى فيكُن تغمضوا عيونكُن عن إنو في غيركن بالجنوب... في ناس إلُن أسامي فجّروا إذاعة لحد. في وحدة إسمها سُهى بشارة فاتت قوَّصت عَ واحد وبدون ولا إعانات من ولا دولة...". كما عبّر عن خيبة أمله من عدم المعاملة بالمثل في التحالف مع حزب الله، وتساؤله الموجع عن مصير الشيوعيين الذين قُتلوا عام 1985. هذه المواقف النقدية أظهرت أن زياد كان يرفض أن يكون تابعًا لأحد، وأن ولاءه الأول كان للفكرة التي كان يؤمن بها.
رغم انتقاده اللاذع للمؤسسات الدينية، لحّن زياد مجموعة من أجمل التراتيل الكنسية التي ما تزال تتلى حتى اليوم، مثل "نحن ساهرون" و"المجد لك أيها المسيح". هذا التناقض الظاهري يعكس عمق شخصيته: لم يكن زياد ينبذ الإيمان، بل كان يرفض المؤسسة التي تدير المؤمنين.
العبثية التي طغت على سنواته الأخيرة لم تكن استسلامًا، بل كانت انعكاسًا لعجز هذا البلد عن احتضان موهبة بحجمه. قال زياد مرة: "أنا لو كنت بألمانيا، كنت بشتغل شي متحف موسيقى، بعيش بلا مشاكل وبعمل موسيقى بس... بس هون؟ لازم تكون سياسي، طبيب، قاضي وموزع موسيقي بنفس الوقت!". لقد كان هذا القول صرخة فنان وجد نفسه مرغمًا على أداء أدوار لا تشبهه في وطن لم يعرف كيف يقدّر عبقريته.
زياد الرحباني لا يمكن اختزاله في أي أيديولوجيا. هو ذلك الطفل الذي أبى أن يكبر، وقضى حياته في تلخيص مأساة جيله بكلمات بسيطة ومباشرة. مزج النكتة بالمرارة، والسخرية بالغضب، والحب بالخسارة. أحب الفقراء ولم يحتمل جهلهم، هاجم رجال الدين ولحّن لهم، وقال ما لا يُقال ومشى....