للكاتب الأميركي - الإيراني محسن ميلاني

"صعود إيران وتنافسها مع الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط"

9 دقائق للقراءة

صدر حديثًا عن "دار نوفل / هاشيت أنطوان" كتاب "صعود إيران وتنافسها مع الولايات المتحدة الأميركية في الشرق الأوسط"، للمحلّل السياسيّ الأميركي، الإيراني الأصل، محسن ميلاني، وفيه يقدّم قراءة متأنّية لِما وصفه بلغز صعود إيران، وكيف تمكّنت طهران، رغم كل الجهود التي بذلتها واشنطن لتقييدها، سواء بالعقوبات أو التهديدات أم التحالفات الإقليميّة ضدّها، من "التنقّل بنجاح عبر حقول الألغام وتوسيع نفوذها" في منطقة "ذات أهمية استراتيجية" بالنسبة للولايات المتحدة.


الكتاب، الذي يقع في 360 صفحة، نقله إلى اللغة العربية المترجم أسامة الأسعد، وممّا يتناوله في فصوله لعبة القوّة الإيرانية في لبنان حيث يُعدّ "حزب الله" القيمة الاستراتيجية الرئيسية لإيران، ويخلص إلى أنّ السياسات الإقليميّة الإيرانيّة تقف عند مفترق طرق خطير. وتنشر "نداء الوطن" هنا، مقتطفات من مقدّمة الكتاب.



عندما وصل الجنرال قاسم سليماني إلى "مطار بغداد الدولي" في الساعات الأولى من صباح 3 كانون الثاني 2020، كان كلّ شيء على أحسن ما يرام. على المدرج، كان الموكب الذي يتألف من سيارتَين ينتظر وصول الجنرال ليرافقه إلى اجتماعه المقرّر مع رئيس الوزراء العراقي. لكنّ الموكب لم يغادر المطار قطّ. فبعد خمس عشرة دقيقة من هبوط الطائرة، أطلقت طائرة مسيّرة من طراز "MQ-9 Reaper" رشقة من صواريخ "Hellfire"  على الموكب الذي اشتعلت مركبتاه وقُتل ركّابُه العشرة.


مات قاسم سليماني، وتفحّمت أشلاء جسده الذي تمّ التعرف عليه من خاتم العقيق الأحمر الذي أهداه إياه المرشد الأعلى، آية الله سيّد علي خامنئي، ولم يكن يفارق إصبعه...


في التصريح الذي أدلى به من منتجعه "Mar-A-Lago" في فلوريدا، أعلن الرئيس دونالد ترامب مسؤوليّته عن الضربة، وندّد بالجنرال واصفًا إياه بـ "الإرهابي رقم واحد" في العالم، يداه ملطختان بالدماء الأميركية...


أثار اغتيالُ جنرال إيراني نشِط على أرض أجنبية، يعتبره بعض الإيرانيين بطلًا قوميًا، صدمة في إيران. وبينما كان الملايين من المشيّعين يحتشدون في الشوارع، تعهّد خامنئي "بانتقام قاسٍ" من الولايات المتحدة، و "بطرد" قوّاتها من الشرق الأوسط. ردًا على ذلك، هدّد ترامب بتدمير اثنين وخمسين موقعًا تاريخيًا إيرانيًا إذا ردّت طهران. لم يكترث "الحرس الثوري الإيراني" لهذا التحذير، وأطلق بجرأة اثني عشر صاروخًا باليستيًا على "قاعدة عين الأسد"، غرب العراق، حيث كانت تتمركز القوات الأميركية. على الرغم من الأضرار المادية الجسيمة التي خلّفها القصف، لم تقع أيّ وفيات. لم تنفّذ الولايات المتحدة تهديد ترامب. لكنّ الوضع كان حرجًا للغاية، فقد أخبرني الجنرال كينيث ماكنزي جونيور، قائد "القيادة المركزية الأميركية" آنذاك، بأنه "لو أنّ الولايات المتحدة تكبّدت خسائر فادحة في الأرواح، لكانت استخدمت قوة ساحقة ضد إيران".


في خضمّ الضباب الذي ساد تلك الفترة المشحونة بالتوتر، وبعد ساعات قليلة من الهجوم الصاروخي على القاعدة الأميركية، أسقط الحرس الثوري الإيراني بشكل مأسوي طائرة مدنية أوكرانية كانت تقلع من "مطار طهران". قُتل جميع ركّابها الأبرياء البالغ عددهم 176 راكبًا، معظمهم من الإيرانيين. في ذلك الشهر، كانون الثاني، كانت إيران والولايات المتحدة على قاب قوسَين أو أدنى من الحرب، لكنّهما اختارتا التهدئة وعدم التصعيد.


في هذه الحقبة التي تشهد استمرارية الصراعات بين البلدَين، من السهل أن ننسى أنّ إيران والولايات المتحدة كانتا ذات يوم صديقتَين مقرّبتَين. ففي كانون الأول 1977، التقى الرئيس جيمي كارتر شاه إيران، محمد رضا بهلوي، في "قصر نياوران الكبير" بطهران. بعد ذلك اللقاء ببضعة أيام، ألقى خطابًا بمناسبة رأس السنة الجديدة، أشاد فيه بالشاه الذي أنشأ حسب تعبير الرئيس كارتر، "ملاذًا آمنًا مستقرًا" في هذا الشرق الأوسط الذي تعمّه الاضطرابات. بُعيد اثني عشر شهرًا، أطاحت ثورةٌ تاريخية ذات تطلّعات عالميّة نظامَ الشاه، الذي بدا لا يُقهر، ودفعته إلى المنفى، حيث تنقّل من بلد إلى آخر بحثًا عن لجوء سياسي.


في خضمّ الفوضى الثورية التي شهدها شهر تشرين الثاني 1979، اقتحمت مجموعة من المسلّحين المغرّر بهم السفارةَ الأميركية في طهران، حيث احتجزوا جميع موظفيها واتخذوهم رهائن. شكّل هذا الهجوم الفظيع نهاية حقبة "السلام الأميركي ـ الإيراني"، التي امتدّت من العام 1953 إلى العام 1979، منذرًا ببداية حرب باردة بين الحليفَين السابقَين. في وسط هذه الحرب الباردة، كان من المفارقة بمكان، أن تتحوّل إيران تدريجًا إلى قوة معادية لأميركا في ثلاث مناطق استراتيجية: الخليج الفارسي، بلاد الشام، وشبه الجزيرة العربية.


في شهادته أمام الكونغرس عام 2018، وصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إيران بأنها التحدّي "الرئيسي" في الشرق الأوسط و"القوة الأكثر تماسكًا في المنطقة". كما أعرب عن قلقه من أرجحيّة أن تعيد إيران إحياء الإمبراطورية الفارسية، وبناء "طوق من النفوذ الإيراني، يمتد من طهران مرورًا ببغداد ودمشق وصولًا إلى بيروت". على الرغم من أنّ كيسنجر قد بالغ ربّما في تقدير خطر إحياء "الإمبراطورية الفارسية"، إلا أنه سلّط الضوء على الارتفاع الدراماتيكي لمستوى قوة إيران الثورية.


تجلّى صعود إيران في الشرق الأوسط بشكل لافت في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، وعلى نحو أقلّ، مؤخرًا، في قطاع غزة.


ولكن كيف تمكّنت إيران من التنقّل بنجاح عبر حقول الألغام، وتوسيع نفوذها بِصفتها البطلة في معاداة أميركا، على الرغم من الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة لاحتوائها، وفرض العقوبات عليها، وتهديداتها المستمرة بتغيير النظام فيها، وهجماتها العسكرية المحتملة، وتحالفاتها الإقليمية ضدها؟ يصبح هذا السؤال أكثر إثارة للحيرة، عندما نأخذ في الاعتبار أنّ صعود إيران حدث في منطقة ذات أهمية استراتيجية كلّفت الولايات المتحدة قدْرًا من الدماء والأموال يفوق ما دفعته في أي مكان آخر، منذ انتهاء حرب فيتنام عام 1975.


ليس من المستغرب أن يكون طموح إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي، قد وضعها تلقائيًا على مسارٍ تصادمي مع الولايات المتحدة. في أواخر القرن الماضي، أدرك صمويل هنتنغتون، أحد أشهر علماء السياسة في جيله، ببصيرته الاستثنائية، أنّ إيران كانت قوة إقليمية صاعدة، من المرجح أن تتحدّى هيمنة ما أسماه "القوّة العظمى الأميركية". بناء على صياغة هنتنغتون هذه، افترض أنّ الحرب الباردة المتواصلة التي تُخاض بشراسة في ساحات الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران، هي حرب مدفوعة في المقام الأول بصراع على المصالح الجيوسياسية، لا بخلافات إيديولوجية، أو مخاوف بشأن انتهاكات الجمهورية الإسلامية لحقوق الإنسان. وعلى نحو أدقّ، إنها حرب باردة بين دولة طموحة، تسعى إلى إعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي بالاعتماد على الإسلام، والولايات المتحدة، بصفتها القوة العظمى الأولى في العالم، والضامنة للوضع القائم.


إنّ طموح إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي ليس بالأمر الجديد، كما أنّ السعي وراء القوة ليس ظاهرة شاذة في العلاقات الدولية. في الواقع، إنّ القوّة، التي تُعرّف بمفهومها الواسع على أنها القدرة على فرض الإرادة على الآخرين، سواء بالإكراه، أو الإقناع، أو غير ذلك من الوسائل، هي مثابة "حليب الأم" بالنسبة إلى العلاقات الدولية. والقوّة، كما قال مكيافيلي، "هي المحور الذي يدور حوله كل شيء". وممّا انتهى إليه مكيافيلي في القرن السادس عشر، واصل علماء العلاقات الدوليّة الذين ينتمون إلى المدارس الفكرية الواقعية، والواقعية الجديدة، من هانز مورغنثاو، إلى كينيث والتز، إلى جون ميرشايمر، التأكيد على أن جميع الدول تسعى بلا هوادة إلى توسيع نفوذها، وضمان بقائها، وحماية أمنها. والنتيجة، كما لاحظ والتز، هي أنّ النظام الدولي، الذي يتميز بوجود العديد من الدول المتنافسة ذات السيادة، ويفتقر إلى نظام يضمن إنفاذ القانون وتطبيقه، حيث تسعى كلّ دولة إلى تحقيق مصالحها الخاصة، يجعل الصراعات والحروب أمرًا حتميًا لا مفرّ منه. لقد أثبتت أكثر من أربعة عقود من الصراع بين إيران والولايات المتحدة، بالإضافة إلى حملات الشيطنة المستمرة وتشويه صورة الآخر، صحة ملاحظة والتز الواقعية ورصانتها...


ترتبط استراتيجية "الجمهورية الإسلاميّة" الإقليمية ارتباطًا وثيقًا بتصوّرها للولايات المتحدة كتهديد وجودي. فمنذ أن صعد الثوار الإيرانيون إلى السلطة وقرروا تحدي الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كانوا مدركين تمامًا للفوارق العسكرية الكبيرة بين إيران والولايات المتحدة. لذلك، اعتمدت إيران استراتيجية "الدفاع المتقدم"، التي تُعدّ حجر الزاوية في سياساتها الإقليمية، وتهدف إلى خلق نوع من التكافؤ، وتخفيف الفوارق، وتوسيع النفوذ، وبناء قدرة ردعيّة عبر توسيع ساحات الصراع مع الولايات المتحدة إلى ما وراء حدودها، مما قد يستهدف المصالح الأميركية الحيوية.


في إطار سعيها إلى تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية، تعتمد "الجمهورية الإسلامية" على أساليب الحرب غير المتكافئة أو غير التقليدية، بهدف بناء وتطوير قدرة عسكرية محليّة ومستدامة...


يختلف هذا الكتاب عن العديد من المؤلفات القيّمة التي تتناول المبادئ العامة التي توجّه سياسة إيران الخارجية، وعلاقاتها الثنائية، إذ يقدّم نظرة شاملة وصورة كاملة عن سياسات إيران الإقليمية المعقّدة تجاه أربع دول وقطاع غزة. بناءً على الأدبيّات المتعلّقة بالسياسة الخارجيّة الإيرانيّة، وكتاباتي السابقة، وعشرات المقابلات مع خبراء ودبلوماسيين بارزين، ووثائق حكومية أميركية بما في ذلك وثائق "وكالة الاستخبارات المركزية" التي رُفعت عنها السريّة مؤخرًا، فضلًا عن مصادر باللغة الفارسية، فإنني أستكشف في هذا الكتاب الترابط بين السياسة الإقليمية الإيرانية والصراعات الحادة بين فصائلها الداخلية. علاوة على ذلك، يقدّم هذا الكتاب تحليلًا مقارنًا يسلط الضوء على العناصر الرئيسية الثابتة والمتغيرة في السياسة الخارجية الإيرانية تجاه الولايات المتحدة، وإسرائيل، والعراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، والمنظّمات الفلسطينية، على امتداد مرحلتَي ما قبل الثورة وما بعدها. كما يحوك هذا الكتاب في نسيج واحد، أحداثًا تاريخية تعود إلى العقود الأخيرة، وتبدو غير مترابطة ومتباينة، متخطيًا "راهنيّتها" من خلال دمجها بعضها مع بعض، وربط الماضي بالحاضر. يثري استكشاف الماضي هذا فهمنا للأحداث الراهنة، ويكشف عن القوى الديناميكية التي تشكل الساحة الدولية، ويسمح لنا بتطوير رؤية أوسع، وأكثر إلمامًا بالمسارات المستقبلية المحتملة.