جوني داغر

السؤال الباقي

4 دقائق للقراءة

حوادث كثيرة في التاريخ ما زالت مدار جدل وأخذ وردّ في الأوساط الفكرية الإجتماعية، لعّل أبرزها حوادث الإغتيالات مثل اغتيال الرئيس جون كينيدي عام 1963 أو اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005.



وحتى مع صدور أحكام قضائية عن أعلى مراجع دولية مثل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تخضع لأصول جزائية غاية في الإحترافية والشفافية وتحترم المبادئ القانونية المعهودة مثل الشفافية والعلانية والوجاهية كما حصل في قضيّة الرئيس الحريري، ورغم صدور وثائق وإطلاع الرأي العام عليها توضح حقيقة الخلفيات الكامنة وراء اغتيال كينيدي كما حصل مؤخّراً حيث أميط اللثام عن وثائق متعلقّة بالإغتيال، عادة ما يحصل أن يرفض جزء من الرأي العام الحقيقة القضائية أو الرواية الرسمية لإعتبارات بعضها نفسي وبعضها سياسي وبعضها ضعف ثقة بصدقية أجهزة الدولية، فكيف الحال في قضية كحادثة 4 آب حيث وبعد مرور 5 سنوات على الإنفجار لم يصدر بعد القرار الإتهامي عن المحقّق العدلي المولج بالقضيّة، بموازاة ضعف ثقة حاد من قبل المواطنين تجاه دولتهم، فضلاً عن إعتبارات سياسية، عسكرية وأمنية تحوم حول هذا الملف، فيبقى السؤال الكبير حول كيفية حصل هذا الإنفجار ومن ورائه؟



على صعيد ترهّل إطار الدولة كسلطة رقابية وراعية يمكن قول الآتي: لحظة 4 آب ليست لحظة عادية في تاريخنا الحديث، هي لحظة مفصلية في كل ابعادها فشكّلت الإعلان الصريح والنهائي على تعفّن منظومة وآلية الحكم التي سيطرت على البلاد والعباد بعد إنتهاء الحرب وفشلها المريع، فكما أنّ حادثة شيرنوبيل النويّية عام 1986 شكّلت مظهرًا لتحلّل وقرب سقوط المنظومة السوفياتية بما حملته هذه الحادثة من دلالات حاسمة على مستوى الفساد والإهمال وسوء الإدارة الفادح على صعيد إدارة الدولة التي ستسقط بعد 4 سنوات، كذلك حادثة تفجير مرفأ بيروت أثبتت بالدليل القاطع أن مستوى إنتهاك القوانين وغياب قرار الدولة وسلتطها على قرارها وضعف الرقابة قد وصل إلى نقطة تهديد وجود الدولة بذاتها وسلامة المواطنين العامة إن كان من حيث دخول مواد خطيرة وما توضّح لاحقاً للراي العام حول ضعف بسط سلطة الدولة على مرفق عام إستراتيجي وحيوي مثل مرفأ العاصمة فضلاً عن ضعف فعالية التنسيق بين الأجهزة المعنيّة، ناهيك عن كثير من التساؤلات التي تدور في ذهن المواطنين لا داعي لذكرها لتناولها في الإعلام بشكل وافِ خلال السنوات الخمس الأخيرة.



اما على صعيد النظرة الأبعد لهذه الحادثة، فقد أثبتت الأحداث، أن لحظة الإحباط القاسية التي عاشها البنانيون في 4 آب 2020 لم تكن فصلاً منقطعاً، بل كانت فصلّاً إنتقاليًا نحو سلسلة من الأحداث ستعيد رسم خارطة التوازنات ليس في لبنان فحسب، بل في المنطقة بأسىرها:



ومن تداعيات الإنفجار هو تراجع تأييد "حزب الله" خارج الطائفة الشيعية خصوصاً لدى المسيحيين نظّراً للريبة الكبرى التي تعامل بها الحزب مع الملف ومحاولة إقصاء القضاة وصولًا إلى حادثة الطيونة الشهيرة، ما انعكس على أرقام إنتخابات 2022 على صعيد شعبية حلفاء الحزب ما أدّى إلى تراجع الكتلة النيابية الموالية للحزب، الأمر الذّي كسر الغلبة في مجلس النواب التي كان يحظى بها الحزب بعد إنتخابات عام 2018، وصولاً إلى إنقلاب ميزان القوى شبه الشامل ضد الحزب وفقدانه السيطرة على قرار الدولة حتّى وصل إلى أن يكون في المرحلة الراهنة بمثابة الجسم الغريب عنها.


أخيراً، كثيرة هي النتائج المباشرة وغير المباشرة لهذا الحدث الجلل، والأكثر منها هي التحليلات التي يغيب عنها طابع اليقين.

صحيحٌ أن العقل يميل للاقتناع أن مؤامرة خارجية قد حيكت لإضعاف الدولة ومن كان يحكمونها، دون وجود دليل قاطع على ذلك.

مع مرور الوقت، سيصدر القرار الإتهامي والنهائي عن المجلس العدلي: لكن الشكوك ستبقى والأسئلة ستبقى.

يبدو أن بعض الأحداث في التاريخ لا تحصل لكي نتيقّن حقيقتها، و 4 آب من هذه الأحداث.

الرحمة للشهداء ولوطننا.