د. جوسلين البستاني

عن وهم "التفاوض" مع "حزب الله"

4 دقائق للقراءة

في خِضمّ أزمة الرهائن الغربيين التي عصفت بلبنان في الثمانينات، ورد تصريح لافت للزعيم الروحي لـ "حزب اللّه" آنذاك، الشيخ محمد حسين فضل اللّه، نُشر في صحيفة Libération و CBS News، قال فيه: "فرنسا تقف أمام خزنة مقفلة. هناك ثلاثة مفاتيح لفتحها. أصغرها المفتاح اللبناني. لذلك، حتى لو كنت أحتجز مواطنيكم، لما استطعت إطلاق سراحهم بنفسي. مفتاحي الصغير لا يكفي. المفتاح السوري أكبر، لكنه لا يكفي أيضًا. أنتم بحاجة إلى المفتاح الثالث، مفتاح إيران".


يومها، شكّل هذا التصريح إشارة واضحة إلى أنّ إيران كانت الجهة التي تمسك بملف الرهائن. وهي حتى اليوم الطرف الفعلي الذي يتحكّم بمفاتيح أي تفاوض مُرتبط بـ "حزب اللّه"، سواء تعلّق الأمر بنزع سلاحه أو بالاعتراف بسيادة الدولة.


لذلك، ونتيجةً لِعقودٍ من التدخلات الأجنبية وعلى رأسها التدخل الإيراني، ولِتفشّي الفساد المَحميّ بحكمٍ ميليشياويّ، بات لبنان دولة مُفرغة من مضمونها. غير أنّ ما حقّقته إيران من خلال "حزب اللّه"، وبمُساعدة حلفائها السياسيين الراسخين كنبيه بري، لم يَعُد يُقاس بمقاييس النفوذ التقليدي. إنه التجسيد النموذجي لما عَرّفه جويل هيلمان بـ "الاستيلاء على الدولة" (State Capture): حيث تُختطف مؤسسات الدولة عبر وكلاء محلّيين يُدينون بالولاء لقوّة أجنبية، فتُعاد صياغة السياسات الوطنية بما يخدم أجندتها الاستراتيجية. وفيما تُقوَّض السلطة السيادية من الداخل، تبقى الدولة قائمة شكليًا: مؤسّساتها تعمل نظريًا، تُجرى الانتخابات، ويُعيَّن الوزراء. لكن خلف هذه الواجهة الرسميّة، يكمُن نظام موازٍ: مُسلّح، مُمَوّل، ومُدار مباشرة من طهران.


بناءً على ما سبق، فإنّ إعلان السلطات اللبنانية قبل بضعة أشهر عن نيّتها التفاوض مع "حزب اللّه" بشأن سلاحه لم يُمثّل إطلاقًا انطلاقَ مسارٍ سياديّ، ولا بدايةً لتفاوضٍ فِعليّ. ما جرى كان مُجرّد تمرينٍ شكليّ مع طرفٍ لا يملك قراره. وهذه ليست مفاوضات بالمعنى السياسي أو القانونيّ، إذ إنّ التفاوض يفترض وجود طرفين يتمتعان بالسيادة والصلاحية. أما حين يكون أحدهما مُجرّد وكيلٍ لقوّةٍ أجنبية، فلا يُمكن لأي اتفاقٍ ناتج أن يحمل قيمةً قانونية حقيقية.


خاصة وأنّ قرارات "حزب اللّه"، من سلاحه إلى تموضعه الإقليمي، تُتخذ في طهران لا في بيروت. وهذه حقيقة راسخة، لا جديد فيها سوى الإصرار على تجاهلها من بعض الأطراف. فلا قيادته المحليّة ولا الحكومة اللبنانية تملكان الكلمة الفصل.


ولا يقتصر هذا الأمر على القانون الداخلي، بل ينطبق أيضًا على القانون الدولي. إذ ينصّ مشروع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة (ILC)، وتحديدًا المادة الثامنة، على أنّ أفعال الكيانات غير الحكومية تُنسب إلى الدولة التي تُمارس عليها "تحكّمًا فعّالًا". وفي حالة "حزب اللّه"، تُشير جميع المُعطيات إلى أنّ إيران هي الطرف الذي يُمارس هذا التحكّم الفعلي في اتخاذ القرارات الاستراتيجية. وبالتالي، إذا كان الهدف هو التوصّل إلى حلّ حقيقي، فإنّ الجهة التي يجب مخاطبتها ليست "حزب اللّه"، بل إيران.


في الواقع، ما قُدِّم سابقًا كمسعى للحوار لم يكن سوى محاولة للتغطية على عجز الدولة، بل ساهم في شرعنة واقعٍ غير دستوري تتحوّل فيه الميليشيا إلى طرفٍ تفاوضي، ويُختزل فيه الدستور إلى مُجرّد رأي قابل للتجاوز.


بالفعل، ينصّ الدستور اللبناني على أن السياسة الدفاعية من صلاحيات الدولة وحدها، وتجاوز هذا المبدأ يُرسّخ منطق الميليشيا والارتهان. ولا يمكن استعادة التوازن مع السلاح غير الشرعي عبر مفاوضات شكلية مع طرف لا يملك القرار. لاستعادة السيادة، يجب على الدولة أوّلًا أن تُسمّي الأمور بأسمائها.


فهل يُمكن، بالتالي، اعتبار خطاب الرئيس عون الذي ألقاه بمناسبة عيد شهداء الجيش خطوةً أولى في هذا الاتجاه؟ صحيح أنّه حَدّد سقفًا زمنيًا للانتقال من التفاوض إلى اتخاذ القرار، وربطه بجلسة مجلس الوزراء المُخصّصة للبتّ النهائي في مسألة حصرية السلاح، مُستفيدًا من الدعم الدولي لتعزيز المؤسسات. لكن، من دون موافقةٍ صريحة من طهران، أو قرارٍ موحّد يصدر عن مجلس الوزراء يُترجم بنصّ واضح لا يخضع للتدوير أو التأويل بما يخدم مصلحة "حزب اللّه"، سيبقى هذا الخطاب مُجرّد موقفٍ إعلاني لا يحمل أيّ تغيير فعلي.


فالتفاوض الحقيقي لا يبدأ من بيروت، بل من طهران. وما دون ذلك، لا يعدو كونه تكرارًا مألوفًا لصيغة الفشل.