مايا الخوري

تقلّبات مزاجية حادّة وأفكار سوداوية

المراهق الأكثر تعرّضًا للهشاشة النفسية

5 دقائق للقراءة

تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي أحد أسباب الهشاشة النفسية لدى المراهقين والشباب بسبب الحياة المثالية غير الواقعية التي يعرضها بعضهم، فيرى المراهق نفسه أقلّ مستوى أمام نجاحات الآخرين. وإزاء الصعوبة في التكيّف والتعامل مع التحدّيات، يفقد الثقة بقدراته وقد يصل إلى مرحلة إيذاء الذات أو التفكير بالانتحار.

تتمحور الهشاشة النفسية حول حساسية الشخص تجاه الضغوطات النفسية والخارجية التي يواجهها، فيصعب عليه التكيّف أو التعامل مع التحدّيات. وتظهر من خلال تقلّبات مزاجية قويّة أو ردود فعل حادّة خصوصًا تجاه الفشل، أو شعور دائم بعدم الثقة في النفس. وتبدو هذه الهشاشة وفق الأخصائية في العلاج النفساني العيادي مونيكا أسمر، أكثر وضوحًا لدى المراهق بسبب التغيّرات الجسدية والهرمونية، ومحاولته فهم نفسه وتكوين هويّته، في ظلّ ضغط التوقعات الخارجية من العائلة والمجتمع.


وغالبًا ما تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز شعور المراهق بعدم الكفاية والقلق المستمرّ بسبب عرض بعضهم حياة مثالية و "فَلتَرة" الواقع، وتقديم الأجزاء الإيجابية المتعلّقة بالنجاح والمشاريع والسفر دون إظهار الجوانب الصعبة أو السلبية أو التي تغلب عليها التحدّيات، "فيرى المراهق حياته أقل مستوى من حياة الآخرين أو غير كافية أمام نجاحاتهم لتولد مشاعر الدونية والحزن والفشل والقلق، بعد مقارنة نفسه بالآخرين، فيشكّك بقدراته وشكله وجسمه". لذا من المهم، وفق أسمر، توعية المراهقين حول حقيقة ما يُعرض عبر السوشيل ميديا، والتوضيح لهم بأنّ هؤلاء يختارون اللقطات التي تُظهر الجانب الإيجابي من حياتهم.


ويمكن أيضًا تنظيم ورش عمل توعوية في المدارس لتعليم الأولاد كيفية التمييز بين الحياة الحقيقية والصور المستخدمة عبر الإنترنت. إضافة إلى أنشطة توعوية عاطفية ككتابة المشاعر الخاصة قبل استخدام الإنترنت وما بعده لاكتشاف تأثيره عليهم. وكذلك تشجيع المراهق على الامتناع عن استخدام المواقع الإلكترونية ليوم واحد كتحدٍ إيجابي والتعبير عن مشاعره خلال ذلك وبعده، وتشجيعه على التركيز في نقاط قوّته الذاتية بدلًا من مقارنة نفسه بالآخرين. من جهة أخرى، يمكن إطلاعهم على تصاريح مؤثرين أعلنوا صراحة تأثير السوشيل ميديا السلبي على نفسيّاتهم وحياتهم.


وردًّا عن سؤال حول دور المجتمع والمحيط في زيادة هذا الضغط النفسي، تجيب: "عندما لا تكون التوقعات الاجتماعية مرنة وواقعية يتولّد لدى الشباب شعور بأنهم غير أكفّاء. فإذا أحبّ المراهق التخصّص في الموسيقى والفنون مثلًا وقوبل بالرفض من قبل عائلته التي تريده طبيبًا أو مهندسًا، فسيشعر بالإحباط والقلق المستمرّ وبأنه دون المستوى المطلوب، ليفقد ثقته بنفسه وينقسم ما بين هويّته وما يحبّ من جهة، والمجتمع وتوقعات عائلته من جهة أخرى. هذه التوقعات العالية من دون دعم نفسي وتشجيع تنعكس سلبًا على راحة المراهق النفسية لأنها تحول دون التعبير عن نفسه بحرية لا بل تشعره بضرورة الخضوع للمجتمع".


وتشير أسمر إلى انعكاس محتمل للتنمّر والإهمال أيضًا على الطفل حيث يكوّن معتقدات سلبية عن نفسه، فيرى أنه ضعيف ولا يستأهل الأشياء الجميلة في الحياة، فترافقه هذه الأفكار في سنّ المراهقة ليصبح أكثر هشاشة في مواجهة التحدّيات. فالطفلة التي تنمّروا عليها بسبب وزنها الزائد مثلًا، ستتولّد لديها مشكلة في صورة جسدها ونفسها ويمكن أن تواجه اضطرابات في الأكل. لافتة إلى أن فاقد الثقة بنفسه يفسّر الفشل على أنه دليل على فشله الشخصي وعدم كفايته وليس تجربة يمكن التعلّم منها، ما يدفعه إلى تجنّب المحاولات فيزداد قلقه ويبني علاقات غير متوازنة وقد ينعزل عن المجتمع.


أمّا عن أبرز الأعراض التي تدلّ على هشاشة نفسية تستوجب دقّ جرس الإنذار، فتقول: "قد تشمل تقلّبًا مزاجيًا حادًا، نوبات بكاء أو غضبًا غير مبرّر، عزلة أو انسحابًا اجتماعيًا، اضطرابات في الشهية، تراجعًا مفاجئًا بالأداء الأكاديمي، أفكارًا سوداوية أو إيذاء الذات.

وفي حال استمرّت هذه الأعراض لأكثر من أسبوعين وأثرت في قدرة الشخص على أداء مهامه اليومية ولاحظنا مؤشرات لإيذاء الذات أو التفكير بالانتحار، عندها يجب التوجه فورًا إلى معالج نفسي أو طبيب متخصّص".


وعمّا إذا كانت هناك استراتيجيات أو عادات يومية تقوّي المناعة النفسية الشخصية، تشير إلى إمكانية تعزيز الصلابة النفسية عبر ممارسة الرياضة بانتظام لأنها تؤثر على المزاج وتحسّن النوم، بالإضافة إلى تحديد روتين ثابت للنوم والطعام لأن الاستقرار الجسدي ينعكس على الاستقرار النفسي، وتدوين عبارات الامتنان، أي كتابة 3 أشياء إيجابية يوميًا نمتنّ لها في حياتنا، استخدام تقنية إعادة البناء المعرفي الذي يرتكز على تحدي الأفكار السلبية، فضلًا عن تخصيص وقت لممارسة النشاطات المفضّلة كالرسم والكتابة والاستماع إلى الموسيقى والأهم من ذلك كله، الحدّ من السوشيل ميديا لأنها تؤثر على الصحة النفسية.


الدعم والتشجيع

يحتاج المراهق إلى مكان يشعره بالأمان وأنه قادر على التعبير عن نفسه بحرية من دون أحكام مسبقة أو سخرية، خصوصًا أن التعبير عن الحزن أو الخوف أو القلق طبيعي وصحّي جدًا.


لذا يمكن دعمه عبر تشجيع الحوار المفتوح في المنزل، حيث يمكنه التعبير عمّا يزعجه من دون أحكام أو انتقادات أو مقارنة، فيكون الإصغاء بانفتاح وأمان، ويكون الأهل قدوة أيضًا في كيفية التعبير بصراحة عن المشاعر. أمّا في المدارس، فيجب تنظيم جلسات توعية أو إرشاد كما يمكن استخدام بطاقات المشاعر للتعبير عن الذات.


إلى ذلك، من المهم تجنّب التعابير المشوّهة لمشاعر الآخرين مثل: "الرجال لا يبكون"، أو "لا شيء يستحق البكاء" كمحاولة لإراحة المراهق، لأنّ ذلك لا ينفع بل بمثابة حكم عليه، لذا يفضّل استبدالها بعبارات الدعم والمحبّة.