في الخامس من حزيران المنصرم، صدر مرسوم جمهوري يدعو مجلس النواب إلى عقد استثنائي. ولا شك أن تفعيل دور المؤسسة التشريعية بعد سنوات من التعطيل وشلل المؤسسات الدستورية هو خطوة إيجابية تبعث على الأمل بإمكانية استعادة عمل الدولة ومؤسساتها. لكن توقيت هذه الدعوة يثير تساؤلات مشروعة حول خلفياتها، ومدى ارتباطها بضغط دولي متصاعد يدفع لبنان نحو إجراء إصلاحات جذرية، خصوصاً في مجالات المال والمصارف واستقلالية القضاء.
تأتي هذه الخطوة في أعقاب إدراج لبنان على "اللائحة الرمادية" من قبل مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF) ، وهي لائحة ترصد الدول التي تعاني من ثغرات استراتيجية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتبع هذا القرار، إعلان المفوضية الأوروبية إدراج لبنان رسميًا على اللائحة المقيدة الأوروبية (EUR Restricted List)، وهو تصنيف يفرض قيودًا مشددة على التعاملات المالية والاقتصادية مع لبنان، باعتباره بلدًا عالي المخاطر.
المثير للقلق أن السلطات اللبنانية لا تزال تتعاطى مع الإصلاحات المطلوبة كأنها إملاءات خارجية مؤقتة، لا كجزء من واجبها الوطني ومسؤوليتها أمام شعبها. في الواقع، إن الأداء السياسي والاقتصادي الذي اتُّبع منذ اتفاق الطائف، والذي بلغ ذروته في 2019، حين تفاخر رئيس "التيار الوطني الحر" في مقابلة مع شبكة CNN بأن "لبنان سيعلّم العالم كيف تُدار الدول بلا موازنات"، هو ما أوصل البلاد إلى الإفلاس والانهيار. هذا "الاختراع اللبناني" في إدارة الشأن العام هو ما دفع بالدولة إلى حافة التفكك، وفتح المجال أمام الفوضى، وتراجع سيادة القانون، وانهيار المؤسسات النقدية والرقابية.
على الجميع أن يدرك ،إن إدراج لبنان على كلتا القائمتين، الرمادية والأوروبية، لا يمثل مجرد تصنيف إداري، بل يشكّل نقطة تحوّل خطيرة تهدد مستقبل القطاع المالي والاقتصادي اللبناني ككل. فهذه الخطوات تؤدي إلى سلسلة مترابطة من التداعيات الخطيرة، أبرزها:
1- تشديد المراقبة والتدقيق على جميع التحويلات المالية من وإلى لبنان، ما يبطئ المعاملات المصرفية ويرفع كلفتها بشكل كبير.
2- انخفاض الثقة الدولية بالنظام المصرفي اللبناني، ما يدفع العديد من البنوك الأجنبية إلى قطع أو تقليص علاقاتها بالمصارف اللبنانية.
3-تعقيد إجراءات فتح الحسابات المصرفية للأفراد والشركات اللبنانية في الخارج، مما يؤثر سلبًا على حركة التجارة والطلاب والمغتربين والمؤسسات.
4- تآكل قدرة لبنان على جذب الاستثمارات أو الحصول على تمويلات خارجية ميسّرة، بسبب التصنيف كدولة غير ملتزمة بالمعايير المالية الدولية.
5-ارتفاع كلفة الاستيراد والتصدير نتيجة القيود الجديدة، ما يؤدي إلى تضخم إضافي وأزمات في تأمين المواد الأساسية والسلع الاستهلاكية.
6- خطر الانتقال إلى اللائحة السوداء في حال عدم اتخاذ إجراءات إصلاحية عاجلة، وهو ما يعني مقاطعة شبه تامة من المؤسسات المالية الدولية، وتوقف معظم أشكال التعاون الاقتصادي.
في ظل هذا المشهد، تصبح العزلة المالية الدولية للبنان أمرًا واقعًا لا مجرد تهديد، ويدفع ثمنه المواطن اللبناني في معيشته اليومية، ومستقبله ومستقبل أولاده، وقدرته على العمل والتعامل مع العالم.
في موازاة الضغوط المالية، يعيش لبنان تحت ضغط سياسي متصاعد لإعادة بسط سيادة الدولة ونزع سلاح "حزب الله"، وسط مخاوف دولية متزايدة من بقاء قوى مسلّحة خارج إطار المؤسسات الشرعية. وجود هذا السلاح، واستمرار غياب القرار السيادي، يشكلان عائقين أساسيين أمام استعادة ثقة المجتمع الدولي.
لقد أثبتت التجربة أن السياسات السابقة، القائمة على التهرب من الإصلاح والرهان على التوازنات الإقليمية زمن مقررات مؤتمرات باريس ١ وباريس٢ وسادر، أوصلت البلاد إلى الهاوية. ولا سبيل اليوم للخلاص من هذا الوضع الشاذ إلا عبر مسار إصلاحي واضح يتضمّن:
1- إصلاح القضاء وتحقيق استقلاليته الكاملة.
2-إعادة هيكلة القطاع المصرفي وإخضاعه لمعايير الشفافية الدولية.
3-سنّ موازنات واضحة وخاضعة للمحاسبة.
4-حصر السلاح بيد القوى الشرعية اللبنانية دون استثناء.
على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها، لا أن تتهرب منها. يجب على مجلس الوزراء أن يجتمع بشكل منتظم لاتخاذ قرارات واضحة وحاسمة وقابلة للتنفيذ، وعلى مجلس النواب أن يتحول من منبر للتجاذبات والمزايدات الكلامية إلى منصة تشريعية تُنتج قوانين تحمي الدولة وتخدم الناس. على النواب أن يتوقفوا عن الاستثمار في الموت وكأن اللبنانيين مجرد أموات ينتظرون في طوابير الدفن ويبدؤوا بالاستثمار بالحياة عن طريق التفكير بتطوير القوانين اللبنانية وإعداد مشاريع القوانين التي تؤمن الرخاء للمواطن والتطور للبلد.
لم يعد مقبولاً أن يبقى اللبنانيون في صفوف طويلة من الانتظار... انتظار الموت، وانتظار الكهرباء، وانتظار الماء، وإنتظار الزفت ، وانتظار إعطائهم أموالهم المجمدة في المصارف ، وانتظار تحسن خدمة الضمان وانتظار تحسن خدمة الهاتف ...وانتظار "الفيزا" للرحيل . المطلوب هو الاستثمار في الحياة، عبر إصلاح فعلي وحقيقي يعيد إلى اللبنانيين ثقتهم بدولتهم ومستقبلهم.
لبنان اليوم يقف عند مفترق خطير. إما أن يسلك طريق الإصلاح القضائي والمالي والاقتصادي والأمني، ويعيد بناء دولة القانون والمؤسسات، أو أن ينزلق إلى دوامة القائمة السوداء، التي ستضعه في عزلة دولية خانقة، وتُفقده ما تبقى من مقومات البقاء.القرار لم يعد سياسيًا. إنه قرار وجودي، يتعلق ببقاء لبنان أو فنائه.