الدكتور سايد حرقص

اتفاق الطائف... ما له وما عليه

4 دقائق للقراءة

​بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على توقيع اتفاق الطائف، لم يعد بالإمكان النظر إليه كوثيقة قادرة على بناء دولة حديثة في لبنان. لقد أنهى هذا الاتفاق حربًا أهلية مدمرة، ولكنه فشل في الانتقال بالبلاد من الفوضى والجمود إلى الازدهار. لقد تحول، مع الأسف، إلى ما يشبه الحصان الميت الذي تُجلد جثته في كل أزمة وطنية، دون أن يُنتج سوى مزيد من الفشل والتعطيل.



​كان اتفاق الطائف في جوهره تسوية سياسية وُلدت من رحم الحرب الأهلية، وتحديدًا في ظل التوازنات العسكرية التي نتجت عن الحروب العبثية التي شنها العماد ميشال عون نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. ورغم أنه شكّل في حينه طوق نجاة لوقف حمام الدم، إلا أنه لم يكن دستورًا ناضجًا. ما زاد من تعقيد الأمر هو تطبيقه تحت الوصاية السورية، التي كان لها مصلحة في زيادة المشاكل الداخلية لتبرير وجودها.



​ورغم أن الاتفاق أعاد توزيع الصلاحيات بين الطوائف، إلا أنه لم يلمس جوهر الأزمة اللبنانية المتمثلة في:

1- ​غياب الإيمان الوطني بنهائية الكيان اللبناني ،مما أبقى على الولاءات الخارجية فوق الولاء الوطني

2- تأثر المكونات اللبنانية بالدول الأجنبية الداعمة لها دينيًا وسياسيًا.

3-​ تحويل أي صراع طائفي أو ديني في المنطقة إلى صراع داخلي، سواء في الحكومة أو الشارع.

4-توزيع المناصب على أساس الولاءات للزعماء، لا الكفاءة.

5-​اختزال الطوائف في أشخاص وتحويل الطوائف إلى ملكية خاصة لزعامات معينة.



​الأدهى من ذلك أن الاتفاق، الذي كان يُفترض أن يكون مرحلة انتقالية نحو اللامركزية وتخفيف حدة الطائفية من النفوس للوصول إلى مرحلة الغائها من النصوص، تحوّل إلى إطار دائم لترسيخ الطائفية المتوحشة والمتعصبة التي تسعى الى الهيمنة والقضاء على الآخرين. وقد أسهمت مجموعة من نقاط الضعف البنيوية في هذا الانحراف، ومن أبرزها:



1-​أدى إعطاء رئيس المجلس، الذي يُنتخب لولاية مفتوحة، صلاحية التحكم المطلق بجلسات المجلس وجدول أعماله، إلى تحويل السلطة التشريعية إلى أداة بيد شخص واحد، يعطل انتخاب رئيس الجمهورية أو يمنع مناقشة قوانين مهمة بحجة "الميثاقية".



2-​رغم أن الطائف لم ينص صراحة على "الثلث المعطل"، إلا أنه أصبح عرفًا مكرسًا يمنح أي فريق سياسي طائفي القدرة على تعطيل الحكومة أو إسقاطها. وبهذا، أصبحت الحكومات رهينة للمقايضات لا للعمل التنفيذي.



3- تحولت "الميثاقية" من مبدأ شراكة وطنية إلى أداة تهديد وشلّ للمؤسسات. فأي غياب لطائفة معينة يُستخدم كذريعة لإيقاف عمل الدولة بالكامل، مما جعلها أسيرة "الإذن الطائفي".



4- لم يحدد الطائف أي مهلة زمنية لرئيس الحكومة المكلف لتشكيل حكومته، مما أدى إلى حالات انتظار طويلة أرهقت البلاد، وبقي رئيس الحكومة المكلف في منصبه دون رقابة أو محاسبة.



5- أصبح الوزراء يتصرفون في وزاراتهم كأنها شركات خاصة بهم وبأحزابهم. وغياب الرقابة البرلمانية الحقيقية حول الوزارات إلى بؤر للزبائنية والفساد.



​6- لم يُؤسس الطائف لنظام رقابة فعال، وبقي القضاء خاضعًا للمحاصصة السياسية. حتى التعيينات القضائية والملفات الكبرى يقررها السياسيون، لا القضاة، مما قضى على مبدأ فصل السلطات.



7- ​في السنوات الأخيرة، تم تكريس بدعة منح وزير المالية صلاحية التوقيع على كافة المراسيم المالية والإدارية. ورغم أن هذا الأمر لم ينص عليه الطائف، إلا أنه تحوّل إلى "قفل دستوري" يُستخدم لعرقلة القرارات وفقًا للانتماء السياسي، لا المصلحة العامة.

​لقد كان هدف اتفاق الطائف وقف الحرب ووضع أسس للدولة، لكن ما حدث هو أن الدولة خُطفت ومؤسساتها قُوّضت من الداخل. الحديث اليوم ليس عن "عدم تطبيق الطائف"، بل عن كونه طُبّق بشكل منحرف، واستُخدم لتبرير التعطيل بدلًا من إيجاد الحلول.



إن الحديث عن تطوير وتعديل اتفاق الطائف بات أشبه بوهْمٍ جديدٍ وجلدٍ لحصانٍ ميت، لأنه لن يؤدي إلى أي نتيجة عملية، بل سيُعيد فتح أبواب الصراع الطائفي على مصراعيها، تحت شعار عدم المسّ بـ"الحقوق المكتسبة للطوائف"، ما سينعكس سلباً على استقرار لبنان ومستقبل شعبه.



وانطلاقاً من المثل القائل: "الضرب في الميت حرام"، والذي يُقصد به الميت معنوياً، ذاك الذي فقد قدرته على التفاعل والتأثير، فإن الاستمرار في محاولة إحياء اتفاقٍ استُنفدت قدراته، لن يُجدي نفعاً.



من هنا، فإن المطلوب اليوم هو بناء "دولة الغد" انطلاقا من عقلية سياسية جديدة تتجاوز صندوق الطائف ومنطقه، وتتحرر من عقلية "الغالب والمغلوب"، وصولاً إلى صيغة تعايش وطنية حديثة بين المكوّنات اللبنانية، تقوم على الشراكة الفعلية، وتراعي هواجس جميع الأطراف، وتُعبّر عن رؤيتهم لمستقبل مشترك، وتؤسس لنظام سياسي متين لا يتأثر بتبدلات ميزان القوى الإقليمي.



​ما نحتاجه اليوم هو أكثر من مجرد تجاوز الطائف، بل هو الخروج من عقلية المحاصصة الزبائنية إلى عقلية بناء دولة فعلية تليق بأحلام شبابها.