في ظلّ التبدّلات الإقليميّة المتسارعة، يعود لبنان إلى الواجهة كإحدى أكثر النقاط سخونة في المنطقة، مع تزايد المخاوف من تحوّله إلى ساحة مواجهة مفتوحة. هذا السيناريو يصبح أكثر احتمالًا إذا أخفقت الجهود المحليّة والدولية في احتواء ملف السلاح غير الشرعي، وعلى رأسه سلاح "حزب اللّه".
ومع تراجع فرص التوصّل إلى تسوية سياسية وأمنيّة شاملة، يبرز سؤال مقلق: ماذا لو انهارت التسوية وفُقد الأمل في حصر السلاح بيد الدولة؟
الفرضيّة الأولى هي تصعيد عسكري جديد، خصوصًا بعد رفض "حزب اللّه" قرار الحكومة جملةً وتفصيلًا، واستمرار سلاحه خارج سلطة الدولة يمنح إسرائيل، سواء عبر تفاهمات دولية أو بصمت خارجيّ، مبرّرات لتوسيع عملياتها داخل لبنان. وقد لا تقتصر التداعيات على إعادة مشهد صيف 2006، بل ربّما تتجاوزها في قسوته. ومع رفض "حزب اللّه" قرار الدولة والانضواء تحت رايتها، سوف يتحوّل الجنوب، بل كلّ لبنان، إلى ساحة لتصفية الحسابات، يدفع ثمنها المدنيّون والبنية الاقتصادية المنهكة أصلًا.
في الوقت ذاته، سيؤدّي فشل التسوية إلى مزيد من الضغوط الخارجية، تحديدًا في ما يتعلّق بالمساعدات الدولية التي باتت مشروطة بتنفيذ الإصلاحات وترسيخ سيادة الدولة. مثل هذا الفشل قد يؤدّي إلى تجميد المساعدات أو إعادة توجيهها خارج إطار الدولة اللبنانية، ما يعمّق عزلة البلاد، لا سيّما من قبل دول الخليج التي ترى في استمرار هيمنة السلاح تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة.
وسط هذا الجدل السياسي حول مصير سلاح "المقاومة"، خرج الأمين العام لـ "حزب اللّه"، الشيخ نعيم قاسم، بموقف تصعيدي، حيث رفض أيّ جدول زمنيّ يترافق مع استمرار ما وصفه بـ "العدوان الإسرائيلي"، معتبرًا أنّ المذكرة الأميركية الثالثة أسوأ من سابقتيها، كونها تستهدف، برأيه، تجريد لبنان من عناصر قوّته خدمةً لمصالح إسرائيل. وأضاف أنّ "الحزب" ملتزم باتفاق وقف إطلاق النار، بينما "إسرائيل" خرقت الاتفاق آلاف المرّات، مؤكدًا أن لا استقرار يمكن أن يتحقق في لبنان من دون شراكة داخلية ورفض للوصاية الخارجية.
جاء كلام قاسم في وقت أشارت فيه تقارير إلى أنّ الموفد الأميركي، توم برّاك، حمل معه ورقة تقترح تفكيك 50% من بنية "المقاومة" خلال 30 يومًا. واعتبر قاسم أنّ الضغوط الأميركية تهدف إلى إضعاف الجيش اللبناني عبر منعه من الحصول على تسليح فعّال، محذرًا من مغبّة الرضوخ تحت شعار التمويل، لأنّ التمويل، كما قال، لا يمكن أن يبرّر الاستسلام.
في سياق متصل، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام، عقب جلسة لمجلس الوزراء الثلثاء أنّ الجلسة تناولت عددًا من الملفات من بينها حصرية السلاح، وأنّ الدولة ملتزمة بتنفيذ القرار الدولي 1701، مع تأكيدها حقّ لبنان في الدفاع عن النفس في حال حصول أي اعتداء. وأوضح أنّ الحكومة قرّرت استكمال النقاش في الورقة الأميركية، وكلّفت الجيش اللبناني بوضع خطة لحصر السلاح بيد الجهات الرسمية المحدّدة، على أن تُعرض على مجلس الوزراء. كما شدّد على ضرورة إنجاز الجيش خطة تطبيقية لحصر السلاح قبل نهاية العام الجاري، على أن تُقدّم للمجلس في مهلة أقصاها 31 الشهر الحالي.
وفي جلسة عقدت أمس الخميس 7 آب أقرّ مجلس الوزراء الأهداف العامة للورقة الأميركية، وذلك بإجماع الوزراء الذين بقوا في الجلسة، ما يعكس توافقاً حكومياً شكلياً وسط غياب بعض الأطراف وتحفّظات غير معلنة. ويأتي هذا التطوّر في ظلّ تصاعد الضغوط الدولية ودخول الملف اللبناني مجدداً في دائرة التفاوض الإقليمي والدولي.
في المحصّلة، تبدو صورة الواقع قاتمة: حكومة منقسمة، مذكرة أميركية جديدة تضغط في اتجاه تفكيك بنية "حزب اللّه" خلال فترة قصيرة، تهديدات إسرائيلية تتصاعد، وشعب يعيش على إيقاع الانهيار الاقتصادي وفقدان الأمل. لا مؤشرات على تسوية وشيكة، والمواقف الداخلية تزداد تصلبًا، والضغوط الخارجية تتكثف، والحياة السياسية تعاني من شلل مقلق.
لبنان، مرة أخرى، على مفترق طرق حاسم: إمّا التوصل إلى اتفاق يعيد حصر السلاح بيد الدولة ويعيد الحياة إلى المؤسّسات، أو الانزلاق نحو حرب كبيرة ومزيد من الفوضى التي قد تهدّد مستقبل الوطن بأكمله.