رفيق خوري

حصرية السلاح فتح الورشة

4 دقائق للقراءة

مجلس الوزراء محكوم بإقرار خطوة عملية أولى على طريق فَتَحته التحولات في المنطقة ويواجه محاولات قوية لإعادة إغلاقه. وما كان ممكنًا بالحسابات الواقعية، على الرغم من أجواء التهويل، أن ينتقل من خطاب حاسم وعالي السقف في «حصرية السلاح بيد الدولة» إلى اللافعل وحك الرؤوس للعثور على تعابير لغوية تقول كل شيء ولا تقول شيئًا. فما تقرر ليس تنفيذ خطة جاهزة طلبتها الأكثرية في الداخل والقوى النافذة في العالم العربي والعالم منذ أشهر بل تكليف الجيش وضع خطة تطبيقية لحصر السلاح خلال شهر آب الحالي ضمن المهلة المعلنة لسحب السلاح حتى نهاية العام 2025. خطة يتم عرضها على مجلس الوزراء للنقاش واتخاذ القرار، يسبقها استكمال النقاش في بنود الورقة الأميركية المُحدثة. والأمل هو ألا يكون مصير الخطة مثل مصير الجدول الزمني المعلن لسحب السلاح الفلسطيني من المخيمات. لكن ما على المحك هو مستقبل لبنان. ولا بد من فتح ورشة واسعة مهما تكن المصاعب والعقبات.


ذلك أن التحولات في المنطقة وضعت أمام لبنان معادلة محددة: إما أن يسلم «حزب الله» السلاح إلى الدولة، وإما تسليم الدولة وقرار الحرب والسلم إلى «الحزب». الدولة تعرف ماذا تفعل حين تحصل على حصرية السلاح. و«حزب الله» يعرف بعد تجربة «حرب الإسناد»، وإن أصر على الإنكار، أن السلاح عاجز حتى عن حماية السلاح إذا حاول استعماله من جديد. والعالم يعرف ماذا يفعل للبنان الخالي من السلاح خارج الشرعية في إطار التحولات في المنطقة والمساعدات والاستثمارات وإعادة الإعمار وانسحاب الاحتلال الإسرائيلي، وما يفعله السلاح بلبنان من عزلة وتعميق الانهيار المالي والاقتصادي ضمن مشروع إيراني منحسر. وليس تفضيل السلاح على البلد سوى مغامرة انتحارية تدمر السلاح والبلد. وقمة الاستهتار هي الرفض القاطع لأن تتسلم الدولة السلاح المعرض لأن تدمره آلة الحرب الإسرائيلية. وكل شيء تحت عنوان «المقاومة». والمفارقة أن هذه المقاومة التي عاد الاحتلال بسبب حربها تطلب من الدولة أن تستخدم الدبلوماسية والعلاقات مع أميركا لتحرير الأرض المحتلة وإعادة الأسرى وإعادة الإعمار لكي تقبل البحث، مجرد البحث، في استراتيجية أمن قومي يكون الدور المهم فيها لسلاح المقاومة وقوتها. وليس سراً أن «المقاومة الإسلامية» هي جزء من حرب دائمة، لا فقط ضد إسرائيل بل أيضاً ضد أميركا والغرب وبعض العرب. ولا أحد يجهل إلى ماذا تقود هذه الحرب.


والواقع أن المقاومة التي تتصرف على أساس أنها مقاومة إلى الأبد هي مشروع وليست مقاومة. مشروع تغيير المنطقة بقيادة الولي الفقيه. والمقاومة المقتصرة على حزب في طائفة واحدة في بلد من 18 طائفة هي مشروع هيمنة داخلية لا مجرد مقاومة. فحين انحشر «حزب الله» في موضوع السلاح والحفاظ عليه بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية، لم يجد حرجًا في ربط مصير الشيعة بالسلاح، حيث المطروح هو مصير اللبنانيين جميعًا إذا بقي لبنان أسير الحرب الدائمة والمشروع الإيراني. ومن الوهم، بعدما تغيرت الدنيا في لبنان وحوله، أن يمارس طرف واحد «الفيتو» ضد ما تطلبه الأطراف الباقية.


ومن السهل على الشيخ نعيم قاسم أن يتوعد بسقوط الصواريخ على إسرائيل. لكن المواجهة مع العدو بالمعنى الاستراتيجي شيء، والمواجهة بإعلان القدرة على القتال من دون أمل في النصر شيء آخر. وأي نظرة إلى ما حدث في حرب غزة ولبنان وفي حرب إسرائيل وأميركا مع إيران تؤكد ما يحدث في المواجهة الاستراتيجية. والوقت حان للتوقف عن تكرار الأخطاء ودفع الأثمان بعد ارتكاب أكبر خطأ استراتيجي في «حرب الإسناد». ولا مجال للخطأ في قراءة التحولات، حيث انتهى دور السلاح سواء تسلمته الدولة أو بقي مع «حزب الله».


حتى «التناقض الرئيسي، فإنه متغير حسب الوضع» كما قال ماوتسي تونغ.