بحث الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة محادثات رسمية عُقدت في الكرملين أمس، مختلف أوجه الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وسُبل تطويرها على كافة المستويات، إلى جانب عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. واستعرض الجانبان مسارات التعاون الثنائي، خصوصًا في مجالات الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والفضاء، مشيرين إلى حرص البلدين على تعزيز شراكتهما الاستراتيجية بما يخدم أولويات التنمية في كلا الجانبين. وشهدت الزيارة مراسم توقيع عدد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم، كان أبرزها توقيع "اتفاقية تجارة الخدمات والاستثمار" بين البلدين، وهي تُمثل امتدادًا لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة التي أبرمتها الإمارات مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وتوفّر الاتفاقية إطارًا ثنائيًا خاصًا مع روسيا لتعزيز التعاون في مجالات تشمل التكنولوجيا المالية والرعاية الصحية والنقل والخدمات اللوجيستية والمهنية. كما جرى توقيع مذكرة تفاهم في شأن التعاون في مجال النقل البري، حسب وكالة "وام".
وأكد بن زايد خلال اللقاء أن العلاقات الإماراتية - الروسية تستند إلى أسس راسخة من الثقة والاحترام المتبادل، وترتكز على تاريخ طويل من التعاون البنّاء يمتد لأكثر من خمسة عقود، مشدّدًا على حرص الإمارات على بناء شراكات تنموية فاعلة وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة التحديات العالمية، بما يخدم التنمية المستدامة والازدهار لكافة شعوب العالم. وتبادل الرئيسان وجهات النظر في شأن مستجدّات عدد من الملفات الإقليمية والدولية، حيث أكد بن زايد التزام بلاده بنهج ثابت يهدف إلى ترسيخ السلام والاستقرار عالميًا، ودعم المبادرات السلمية لحل النزاعات. وتطرّق اللقاء إلى القمة العربية - الروسية المرتقبة في تشرين الأول المقبل، التي دعا إليها بوتين، حيث ناقش الجانبان أهمية هذه القمة في تعزيز علاقات روسيا مع العالم العربي.
كما تناولت المحادثات تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حيث شدّد الطرفان على أهمية تكثيف الجهود لإيجاد أفق سياسي واضح لتحقيق السلام العادل والشامل، بما يضمن الأمن والاستقرار، ويرتكز على أساس "حل الدولتين". وجدّد بن زايد شكره لبوتين على التعاون في ملف الوساطة لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، الذي أسهمت فيه الإمارات بنجاح، مشيرًا إلى أن عمليات التبادل شملت حتى الآن أكثر من 4 آلاف أسير. وأبدى استعداد الإمارات لبذل مزيد من الجهود في هذا المجال، في وقت رحّب فيه بوتين بزيارة بن زايد إلى موسكو، معربًا عن تقديره لجهود أبوظبي في تسهيل عمليات التبادل الإنساني بين روسيا وأوكرانيا، كما أكد أن روسيا تولي اهتمامًا بالغًا لتطوير علاقاتها الثنائية مع الإمارات، ولا سيّما في المجالات الاقتصادية والاستثمارية.
في الغضون، وبعد يوم من اللقاء الذي جمع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وبوتين في موسكو، كشف مساعد الرئيس الروسي لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف أنه "بناء على اقتراح من الجانب الأميركي" سيلتقي بوتين وترامب في الأيام المقبلة، مشيرًا إلى أنه "بدأنا الآن تحضيرات فعلية مع زملائنا الأميركيين". وفي حين رجّح أوشاكوف أن تجري القمة الأسبوع المقبل، كشف بوتين أن الإمارات من الأماكن المناسبة لعقد اجتماع مع ترامب، لافتًا إلى أنه لا يعارض "بشكل عام" لقاء الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكنه اعتبر أنه "يجب تهيئة الظروف" لمثل هذا الاجتماع، مشدّدًا على أن الوضع الحالي "بعيد كل البُعد" عن الجاهزية لهذا اللقاء.
وأفادت صحيفة "نيويورك تايمز" بأن ترامب أخبر القادة الأوروبيين وزيلينسكي خلال مكالمة هاتفية الأربعاء أنه يعتزم الاجتماع مع بوتين ثمّ متابعة ذلك بعقد اجتماع ثلاثي يضم الزعيم الروسي وزيلينسكي، الذي جزم بعد مكالمة هاتفية جمعته بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس أمس بأن "الحرب تدور في أوروبا، وأوكرانيا جزء لا يتجزأ من أوروبا، ونحن بالفعل في مفاوضات للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لذلك، يجب أن تشارك أوروبا في عملية السلام"، مؤكدًا أنه "جرت مناقشة صيغ متعدّدة محتملة لعقد اجتماعات على مستوى القادة لتحقيق السلام، أوكرانيا لا تخشى الاجتماعات، وتتوقع من الجانب الروسي نفس النهج الشجاع، لقد حان الوقت لإنهاء هذه الحرب". كما أجرى زيلينسكي مكالمة هاتفية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمشاركته وجهة نظر كييف حول الاتصال بين أوكرانيا والقادة الأوروبّيين وترامب الأربعاء، لافتًا إلى أن روسيا لم ترد علنًا حتى الآن في شأن استعدادها "لوقف حقيقي لإطلاق النار". وذكر أنه "ننسّق مواقفنا ونرى بالقدر نفسه الحاجة إلى رؤية أوروبّية مشتركة في شأن القضايا الأمنية الرئيسية لأوروبا".
توازيًا، كشفت رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين أنها تحدّثت مع زيلينسكي أمس حول الخطوات التالية على طريق التوصل إلى اتفاق سلام، ومستقبل عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى جهود إعادة الإعمار، حاسمة أن "موقف أوروبا واضح، نحن ندعم أوكرانيا بشكل كامل، وسنواصل لعب دور نشط لضمان سلام عادل ودائم". وشكر زيلينسكي فون دير لاين "على رؤيتها الواضحة بأن أوروبا الموحّدة يجب أن تكون جزءًا من كافة المسارات المتعلّقة بأوكرانيا"، جازمًا بأن "أوكرانيا ستكون جزءًا من الاتحاد الأوروبي الذي سيلعب دورًا رئيسيًا في إعادة إعمار بلادنا بعد الحرب، الأمر الذي سيشكل واحدًا من أكبر المشاريع الاقتصادية في أوروبا منذ عقود، لذلك، سيكون لصوت أوروبا دور مسموع في المسار الدبلوماسي".
في الأثناء، ناقش زيلينسكي برنامج مساعدات مالية جديدًا من صندوق النقد الدولي لأوكرانيا مع المديرة التنفيذية للصندوق كريستالينا جورجيفا. وهذا البرنامج "من شأنه تعزيز قدرات الأوكرانيين في الوقت الراهن وفي فترة ما بعد الحرب"، وفق زيلينسكي الذي أبدى استعداد كييف "لاتخاذ الخطوات اللازمة سريعًا... الحكومة تعمل بالفعل على هذا الأمر".
وبعد يوم من إعلان ترامب زيادة الرسوم الجمركية على الواردات الهندية بسبب شراء نيودلهي للنفط الروسي، شدّدت روسيا والهند على التزامهما "بشراكة استراتيجية" خلال زيارة مستشار الأمن القومي الهندي أجيت دوفال لموسكو، حيث التقى بوتين وأمين عام مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو. وأبدى دوفال تتطلّع نيودلهي لزيارة بوتين بحلول نهاية العام. وأكد شويغو لدوفال في تعليقات بثها التلفزيون أنه "نحن ملتزمون بمزيد من التعاون النشط من أجل إنشاء نظام عالمي جديد أكثر عدلًا واستدامة، وضمان سيادة القانون الدولي، والمكافحة المشتركة للتحدّيات والتهديدات الحديثة"، فيما اعتبر دوفال أنه "أقمنا الآن علاقات جيّدة جدًا، ونحن نقدّر كثيرًا الشراكة الاستراتيجية بين بلدينا"، حسب وكالة "إنترفاكس".