الدكتور سايد حرقص

في جلسة حكومية واحدة: شطب حافظ الأسد... وبداية نهاية السلاح خارج الدولة

4 دقائق للقراءة

​في مشهد بدا للبعض تفصيليًا، وللبعض الآخر عميقًا وشديد الرمزية، خرجت الحكومة اللبنانية في جلستها ما قبل الأخيرة بقرارين لافتين: الأول، تغيير اسم "جادة حافظ الأسد" في بيروت إلى "جادة زياد الرحباني"، والثاني، إقرار مبدأ "حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية".



​قد تبدو هذه الخطوات غير مترابطة، وقد يمر عليها البعض مرور الكرام، لكن عند التأمل في دلالاتهما السياسية والثقافية، نجد أنفسنا أمام حدث مفصلي. يُحتمل أن يكون هذا الحدث بداية انتقال تدريجي من منطق دولة الوصاية السورية ما بعد الطائف، إلى مشروع دولة مختلفة كليًا: دولة السيادة، والمحاسبة، والانتماء الوطني الحر.



​ليس اسم "جادة حافظ الأسد" في بيروت تفصيلًا إداريًا، بل هو عنوان لمرحلة كاملة من التبعية اللبنانية والهيمنة السورية على لبنان. مرحلة كانت فيها السيادة مجرد شعار أجوف، والدولة رهينة تفاهمات إقليمية. إن إطلاق اسم حافظ الأسد على أحد شوارع العاصمة بعد انتهاء الحرب كان تعبيرًا عن ميزان القوى الذي أفرزته الحروب العبثية التي قام بها العماد ميشال عون وحكم اتفاق الطائف، أكثر مما كان تعبيرًا عن "امتنان" شعبي أو تقدير حقيقي.



​من هنا، لا يُقرأ محو هذا الاسم من طريق المطار تحديدًا كردّ اعتبار للكرامة الوطنية فحسب، بل كتحرر تدريجي من حقبة الوصاية ومخلفاتها. أما استبدال الاسم باسم المبدع زياد الرحباني، فهذه خطوة ذات دلالتين: الأولى، تكريم لرمز لبناني قد نختلف أو نتفق مع آرائه السياسية، لكن الجميع يقرّ بأنه مبدع فريد وإنسان حر لا يشبه إلا نفسه. الثانية، إعلان ثقافي بأن بيروت تنتمي إلى المبدعين، لا إلى الزعماء الذين جرفتهم شعوبهم إلى مزابل التاريخ.



​لكن، كما شكّل اسم حافظ الأسد عبئًا رمزيًا على بيروت التي دفعت ثمن الهيمنة السورية، كذلك يشكّل اسم الإمام الخميني، الزعيم الروحي للثورة الإيرانية، حمولة أيديولوجية تقسم اللبنانيين ولا توحدهم. وجود شارع باسمه في قلب العاصمة، في بلد تعددي مثل لبنان، لا يمكن قراءته إلا كتكريس لهيمنة رمزية-سياسية من قبل حزب الله ومشروعه الإقليمي، لا كتقدير ديني أو فكري.



​إذا كان منطق الدولة يتغير فعلًا، وإذا كانت الحكومة اللبنانية قد بدأت تستعيد قرارها الرمزي والثقافي، فلماذا لا يمتد هذا التغيير ليشمل "جادة الإمام الخميني" أيضًا؟ أليس من الأجدر أن يُكرّم أحد شوارع العاصمة بأسماء مبدعين ورموز لبنانية شيعية مثل حسن كامل الصباح او زين شعيب أو العلامة محمد حسين فضل الله أو الإمام موسى الصدر أو مهدي عامل ، بدلاً من أسماء ترتبط مباشرة بمحاور خارجية تُقحم لبنان في صراعاتها؟ إن هذا التغيير لا يُفهم كإهانة لأحد، بل كمحاولة لإنقاذ هوية العاصمة من الغربة التي فُرضت عليها بفعل فائض القوة.



​أما القرار الثاني، وهو حصر السلاح بيد الدولة، فليس جديدًا من حيث المبدأ. لقد ورد في خطاب القسم للرئيس الحالي، وفي البيان الوزاري للحكومة، وورد في قرارات مجلس الأمن، لكنه ظلّ يتلاشى في ظلال التواطؤ السياسي، والخوف، وميزان الردع الذي فرضه حزب الله بقوة الأمر الواقع على اللبنانيين.



​لكن، أن يُعاد التأكيد عليه الآن، ومن حكومة تُدرك تمامًا تعقيدات هذا الملف، فهذا قد يعني بداية مراجعة جدية للمنظومة التي نشأت بعد انسحاب الجيش السوري، واستُكملت بمنظومة الولاء لإيران عبر حزب الله. إذا تم الالتزام بهذا القرار، ولو تدريجيًا، فإننا سنكون أمام أول محاولة فعلية منذ ثلاثين عامًا لاستعادة الدولة اللبنانية لسيادتها وأمنها القومي، لا كخطاب، بل كواقع تنفيذي.



​ما جرى في الجلسة الحكومية لا يمكن فهمه إلا كعلامة أولى، خجولة ولكنها جريئة، على بداية تحوّل في عقل أركان الدولة. فالرسائل التي تحملها هذه القرارات تقول بوضوح: لقد تعب اللبنانيون من دولة الاستثناء، من انعدام السيادة والمحاسبة، ومن جدران تُزيّنها أسماء من خارج الوطن.



​هل يعني ذلك أننا دخلنا مرحلة جديدة بالفعل؟ ليس بعد. لكن القرارات الأخيرة تشي بأن الخوف بدأ يتلاشى بعض الشيء ولم يعد سيد الموقف، وأن الدولة بدأت تتذكر شكلها الحقيقي، وحقوقها، وتشتم رائحة تاريخها.




​وإذا تبعت هذه الخطوة خطوات أخرى، مثل التطبيق الفعلي لحصر السلاح، وإعادة بناء القضاء، وتسليح الجيش وأصلاح القطاع المالي والمصرفي وتحرير العاصمة من أسماء لا تمثل هويتها، وتصحيح الأخطاء الفادحة بحق الوطن في مرسوم التجنيس، والقيام بعقد اجتماعي يؤسس لنظام سياسي يعزز الثقة والتعاون والعيش المشترك، فربما نكون فعلًا أمام نقطة انعطاف تؤذن بولادة "جمهورية ثالثة"، تختلف جذريًا عن تلك التي وُلدت بعد الحرب، وتستحق أن يعيش فيها اللبنانيون بكرامة وعدالة.