مروان الشدياق

بعلبك توّجت مهرجانها بـ "حقبات" هبة طوجي وأسامة الرحباني

4 دقائق للقراءة

على أدراج "معبد باخوس" في "قلعة بعلبك" التاريخيّة، حيث اعتادت الحجارة على الصمت للإصغاء إلى نبض الفنّ، تختتم "مهرجانات بعلبك الدولية" الليلة موسمها لصيف 2025، بأمسية ثانية من العرض الغنائيّ البصريّ "حقبات" الذي يحمل توقيع المؤلّف الموسيقي والمنتج أسامة الرحباني وحضور النجمة هبة طوجي، بعدما قدّماه مساء أمس الجمعة في مشهدية استثنائية تحاكي ذاكرة المكان وتاريخه.


العرض الذي قُدّم مساء أمس في أحد أبرز المعالم الأثرية في لبنان والمنطقة، وبين حجارة المعبد الذي وطأته أقدام عمالقة الفن في لبنان والعالم، شكّل تجربة فنّية مزجت بين الموسيقى والشعر والضوء والرقص، استعادت أبرز المحطات من ذاكرة المسرح اللبناني، ولا سيّما أعمال الرحبانيَّين عاصي ومنصور، مع تحيّة خاصة للراحل منصور الرحباني بمناسبة مرور مئة عام على ولادته، وللراحل زياد الرحباني.


"حقبات" العمل الذي يُعِدّ له الرحباني منذ 15 عامًا، ونقلته مباشرةً شاشتا "mtv" و "One Tv" من إخراج كميل طانيوس، يُعَدّ بمثابة تتويج لرحلة فنّية طويلة جمعت الرحباني وطوجي. وقد حرص أسامة الرحباني في إعداد هذا العرض على تقديم عمل يليق بتاريخ بعلبك وموقعها الفني والثقافي، استُخدمت فيه أحدث تقنيّات الصوت والضوء ثلاثيّة الأبعاد (3D Mapping) والتي صمّم مشهديّاتها الفنان إميل عضيمي، لتغمر القلعة بلوحات لم تقتصر على زاوية واحدة، بل امتدت إلى مختلف أروقتها وأعمدتها فأحاطت الجمهور من كل صوب.


أما الفنانة اللبنانيّة ذات الأداء العالميّ هبة طوجي والتي وقفت للمرة الأولى على أدراج بعلبك، فقدّمت خلال العرض باقة من أغنياتها المعروفة والجديدة، إلى جانب مفاجآت موسيقيّة وغنائيّة كانت قد وعدت بها جمهورها، توزعت على مشاهد ممسرحة بمرافقة أوركسترا ضخمة وراقصين محترفين، وتخلّلتها أيضاً أغنية خاصة لبعلبك لغدي وأسامة الرحباني عبّرت عن حوار بين الأزمنة.


وزيرة السياحة لورا الخارن لحّود قالت لـ "نداء الوطن" إنها كانت تبحث دائمًا عن سبب يجعلها تقصد مدينة بعلبك، و "بوجود هبة طوجي الليلة بالتأكيد سأكون حاضرة، ولست بمفردي بل مع أسرتي". لحّود أثنت على أهميّة هذه المهرجانات للبنان بهدف تعزيز السياحة الثقافية وجذب السيّاح، مشيرةً إلى أنّ المميّز هذه السنة أنّ المهرجانات في لبنان لم تقتصر على المدن والبلدات الكبرى بل توزّعت من أصغر بلدة إلى أكبرها، وعلى امتداد الأراضي اللبناني. ولفتت إلى أنّ وزارة السياحة وضعت خطّة كي تبقى السياحة في لبنان متواصلة على مدار العام في كل المدن والبلدات.


رئيسة لجنة "مهرجانات بعلبك الدولية" نايلة دو فريج قالت لـ "نداء الوطن" قبيل افتتاح العرض: "التحضير لهذا الحدث استغرق شهورًا، وحين عقدنا المؤتمر الصحافي كان أسامة الرحباني يقول لي دائمًا إنه يريد أن "يجنّ، وجنّ فعلًا". وهذه الليلة عظيمة جدًّا خاصةً مع الفنانة الاستثنائية هبة طوجي التي تجيد الغناء بعدة لغات، وجمهورها من كلّ البلدان، ونحن "لجنة مهرجانات بعلبك" نفخر باستضافة هذا الحدث العظيم بكلّ فنانيه وموسيقييه وراقصيه". دو فريج أشارت إلى صعوبات كثيرة واجهت اللجنة في التحضير للمهرجان، لكن يبقى الأمل موجودًا دائمًا وحافزًا للاستمرار. وتحدّثت عن مفاجآت عدّة يتضمّنها الحفل، واعدةً باحتفال مميّز العام المقبل في الذكرى السبعين لانطلاقة المهرجان (1956).


"حقبات" لم يكن أمس حفلًا عاديًا من حفلات صيف لبنان العامر، بل شكّل عرضًا سافر بالجمهور عبر الزمن، وأعاد الحياة إلى أطلال بعلبك التاريخيّة من خلال تأثيرات بصريّة تقنيّة متقدّمة، وتصوّرات إبداعية استندت إلى روح المكان، أضافت إليها تصاميم الأزياء التي جرى اختيارها تناغمًا مع المشهد العام والهندسة البصريّة للعرض. وإلى الأداء الساحر لطوجي، شارك في العرض المغنّي الفرنسي Ycare وعازف البوق اللبناني الفرنسي إبراهيم معلوف، إلى جانب مشاهد شعرية وأدبية وموسيقية وظّفت المسرح والسينما والإضاءة ضمن تجربة فنية متكاملة تُعدّ من الأكبر في تاريخ المهرجانات.


إنها بعلبك، حيث لا يترك المرور الفنّيّ فيها بصمةً إلا إذا كان يليق بالتاريخ الذي كانته القلعة، ولا تكون الإطلالة فيها حدثًا إلا إذا شكّل العمل المقدّم بين جنباتها لحظة استثنائية في مسيرة الفنان. ومع "حقبات"، أحيت القلعة ذاكرتها وعاشت حاضرها، فأكّد لبنان مرّةً جديدة، أنه رغم كلّ العواصف، لا يزال قادرًا على استيلاد الثقافة والفن والجمال من عمق الحجارة الجامدة.