أنطونيو رزق

نكسة جيوسياسية جسيمة لموسكو وطهران

"العم سام" يقتحم جنوب القوقاز عبر "طريق ترامب"

6 دقائق للقراءة

تمكّن الرئيس ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض في مطلع العام، من إطفاء عدة "حرائق" حول العالم بفضل إصراره على رعاية أكبر عدد ممكن من اتفاقات السلام بين الدول المتصارعة، إلّا أن وساطته بين أرمينيا وأذربيجان، التي أفضت إلى توقيع إعلان مشترك بين البلدين يوم الجمعة في البيت الأبيض يمهّد للتوصل إلى اتفاق سلام نهائي، تحمل في طياتها أبعادًا استراتيجية بالغة الأهمية من شأنها أن تغيّر الوضع الجيوسياسي القائم في منطقة جنوب القوقاز، التي لطالما اعتبرت "الحديقة الخلفية" لروسيا وشكّلت صلة الوصل بين موسكو وطهران.


تمحورت الحروب الأرمينية - الأذرية حول السيطرة على منطقة ناغورنو كاراباخ (أرتساخ)، التي كانت "جمهورية" معلنة ذاتيًا ذات غالبية أرمنية تسيطر عليها قوات موالية ليريفان منذ التسعينات، قبل أن تتمكّن أذربيجان، التي يُعتبر الجيب جزءًا من أراضيها، من استعادة سيطرتها عليه عام 2023 بعملية عسكرية خاطفة تخلّلها تهجير أكثر من 100 ألف أرمني واعتقال عدد كبير من المواطنين الأرمن، في حين لم تحرّك قوات حفظ السلام الروسية التي كانت منتشرة في المنطقة ساكنًا. ولكن، بقيت مسألة أساسية عالقة بين البلدين تمثلت بمطالبة باكو بـ "ممرّ زنغزور" الذي يمرّ عبر جنوب أرمينيا ويربطها بجيب ناختشيفان (نخجوان) الخاضع لسيادتها (أذربيجان) والواقع على حدود حليفتها تركيا.


عَكَس الإعلان المشترك غير المُلزم قانونيًا الذي وُقّع بين يريفان وباكو، ميزان القوّة بين الجمهوريتين السوفياتيتين السابقتين، إذ تمكّنت أذربيجان من الحصول على مبتغاها، بحيث تمثل العنصر الرئيسي من الإعلان بمنح أرمينيا لأميركا حقوق تطوير "ممرّ زنغزور"، الذي أُطلق عليه اسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين" (تريب)، لمدّة 99 سنة، الأمر الذي أكد البيت الأبيض أنه "سيسمح بتواصل من دون عوائق بين البلدين، مع احترام سيادة أرمينيا وسلامة أراضيها وشعبها". وبالإضافة إلى تمكّن باكو، عبر الممرّ، من تأمين طريق بري مباشر مع ناختشيفان، يوفر الطريق لها أيضًا رابطًا أكثر مباشرة مع تركيا وأوروبا، التي باتت تستورد الغاز والنفط من أذربيجان بكميات أكبر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، بينما من المتوقع أن يتضمّن "طريق ترامب" في نهاية المطاف خط سكة حديد وأنابيب لنقل النفط والغاز وخطوط ألياف ضوئية.


في المقابل، لم يتضمّن الإعلان أي إشارة إلى مسألة حق مهجّري "أرتساخ" في العودة أو مصير الأسرى الأرمن المعتقلين من قِبل باكو، ما أثار انتقادات أرمينية اعتبرت أن الإعلان بمثابة مكافأة للتطهير الإثني الذي ارتكبته أذربيجان بحق أرمن "أرتساخ". كما أنه غير مُلزم قانونيًا، لذا هناك احتمال أن تستغلّ باكو الممرّ لقضم أراض أرمينية، فيما رأى آخرون أنه لم يكن لدى رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان خيارات أفضل، إذ استطاعت باكو بناء قدرات عسكرية كبيرة بفضل براغماتية الرئيس الأذري إلهام علييف وشبكة علاقاته الخارجية المتشعبة، ما كان سيسمح لها بالسيطرة على "ممرّ زنغزور" بالقوّة لو لم يجرِ التوصّل إلى الاتفاق الذي حافظ على سيادة أرمينيا وأدخل أميركا كشريك في الممرّ، ما يشكّل نوعًا من ضمانة ليريفان. كما أن أرمينيا وأذربيجان وقّعتا، بشكل منفصل عن الإعلان المشترك، اتفاقات مع أميركا تهدف إلى تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد، الأمر الذي كانت أرمينيا بأمسّ الحاجة إليه بهدف تنويع شركائها الاقتصاديين وتخفيف تعويلها على روسيا.


استراتيجيًا، يُعتبر اقتحام "العم سام" للمشهد في منطقة جنوب القوقاز، عبر وساطته بين يريفان وباكو وحصوله على حقوق تطوير "طريق ترامب"، ضربة جيوسياسية جديدة لروسيا وإيران على الساحة الدولية. ترى موسكو أن جنوب القوقاز يقع ضمن دائرة نفوذها، كما أنها لعبت تاريخيًا دور الوسيط بين أرمينيا وأذربيجان، إلّا أن قرار غزو أوكرانيا الذي أوقع روسيا بحرب استنزاف مُنهِكة على كافة الأصعدة، أضعف قدرة موسكو على إظهار القوّة خارج حدودها، من سوريا إلى جنوب القوقاز، الأمر الذي فتح الباب أمام أميركا لإعادة صياغة خرائط النفوذ الدولية وفرض وجودها في منطقة استراتيجية من حيث موقعها ومواردها الطبيعية. وإذ أعلنت موسكو دعمها للقمة الأميركية - الأرمينية - الأذرية، اقترحت "تطبيق حلول وضعتها دول المنطقة بدعم من جيرانها المباشرين، أي روسيا وإيران وتركيا"، لتجنب "التجربة المؤسفة" التي قادها الغرب لحل الصراعات في الشرق الأوسط.


أمّا بالنسبة إلى إيران، فاعتبرت أن إعلان تطوير أميركا ممرًّا في أرمينيا يقع قرب حدودها يشكّل تهديدًا لأمنها القومي، بحيث توعّد مستشار المرشد الأعلى للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي بأن بلاده "سواء بالتعاون مع روسيا أو من دونها، ستمنع إنشاء الممرّ الأميركي في القوقاز، لأنه يهدّد أمن المنطقة ويغيّر خريطتها الجيوسياسية"، حاسمًا أن "هذا الممرّ لن يملكه ترامب، بل سيكون مقبرة لمرتزقته". ليس واضحًا ما هي الخطوات التي يمكن أن تتخذها إيران لمنع تطوير الممرّ، إلّا أن احتمال أن تتخذ خيارات عسكرية في المدى القريب مستبعدة، إذ إن ذلك قد يقحمها في حرب جديدة مع أميركا، فيما لا يزال نظام الملالي يلتقط أنفاسه من "حرب الأيام الـ 12".

وكانت لافتة إشارة ولايتي إلى إجراء إيران مناورات عسكرية سابقًا في شمال غرب البلاد ردًا على إصرار تركيا وأذربيجان على تنفيذ مشروع "الممرّ التآمري"، في وقت رحّبت فيه أنقرة بالاتفاق حول الممرّ، معتبرة أنه "سيربط أوروبا بعمق آسيا عبر تركيا" وسيكون "تطورًا مفيدًا جدًا"، الأمر الذي ينذر باحتمال توتر العلاقات بين أنقرة وطهران في حال أقرنت الأخيرة تصريحاتها الحادة بأفعال لمحاولة عرقلة المشروع.


لا شك في أن الإعلان الأرميني - الأذري المشترك، في حال جرى تطبيقه، سيفتح آفاقًا جديدة للسلام والنمو الاقتصادي في منطقة جنوب القوقاز، حيث تعزّز أميركا نفوذها على حساب روسيا وإيران، اللتين ستحاولان بشتى الطرق عرقلة المشاريع المرتبطة بأميركا، إلّا أنه من غير المرجّح أن تفضي تلك المحاولات إلى النتيجة المرجوّة منهما، نظرًا لعدم قدرة موسكو وطهران على التصعيد بشكل فعّال بسبب انهماكهما بأزمات وحروب مصيرية أخرى.