ريتا عازار

اضحك على كلّ شيء... حتى على حزنك

دليلك للخروج من الحزن من دون أن يلاحظ أحد (حتى أنت)!

6 دقائق للقراءة

الحزن! يا له من ضيف ثقيل الظلّ، لا يأتي بدعوة ولا يرحل باعتذار. يتسلّل إلى أيامك كما يتسلّل غاز خفيف بلا رائحة، لا تراه لكنك فجأة تفقد القدرة على التنفّس. يجثم على صدرك مثل قطة سمينة ساخرة تخرمش مشاعرك، وتنام على ضلوعك. ولأنه ليس صديقًا مخلصًا ولا عدوًا واضحًا، فإنك لا تعرف تمامًا هل عليك أن تطرده؟ تروّضه؟ أو تتجاهله؟. هو مثل موظف في دائرة حكوميّة غامضة، تعرف أنه هنا، لكن لا فكرة لديك عن سبب وجوده ولا متى سيغادر، ولا إن كان يفعل أي شيء مفيد أصلًا.



قال كافكا مرّةً بنبرة رجل فقد حتّى حقّه في القلق: "أحيانًا، أودّ فقط أن أستلقي على ظهري وأشعر بالحزن بعمق… إلى أن يصبح السرير حفرة". وأنت يا كافكا أيامنا، إذا كنت تقرأ هذه الكلمات الآن، فربّما – فقط ربّما – أنت تبحث عن وسيلة للخروج من الحزن، لكن بطريقة أنيقة، جبانة، هادئة، لا تترك أثرًا، ولا حتّى فيك.


تَبَنَّ الحزن 

أول خطأ يرتكبه الناس، أنهم يعاملون الحزن كعدوّ ينبغي سحقه. وهذا بالضبط ما يريده الحزن: أن تعطيه طاقة، وتدخل معه في معركة، وتخسر. جرّب بدلًا من ذلك أن تتبنّاه كحيوان أليف غير مرغوب فيه، لكنّه – للأسف – لن يرحل الآن. اختر له اسمًا سخيفًا. ناده مثلاً بـ "فستق"، أو "قمّور الهمّ"، أو "الأستاذ نكد".


قل له: "صباح الخير يا فستق. لا تخرمشني اليوم، عندي اجتماع مهم". الفكرة هنا، لا أن تحبّ حزنك بل أن تنزع عنه سلطته الرّمزية. دوستويفسكي كتب مرّة: "الإنسان يحبّ العذاب أحيانًا، كأنه يريد أن يتأكد أنه ما زال يشعر بشيء".


لا بأس، سأدعك تشعر. لكن لا تُجلّ الحزن ولا تُعطه وسامًا، ولا تسمح له بإدارة يومك.


انسحب منه

المجتمع يحبّ القصص البطوليّة: "نهضتُ من حزني كالعنقاء"، "تجاوزت ألمي وأسّست شركة ناشئة"... إلى آخره.


لكن ليس هذا السيناريو الخاص بك. انسحب بهدوء من دون أن تُغلق الباب خلفك. تصرَّف كموظّف يستقيل داخليًا قبل أن يسلّم الورقة. تحرّك كالمتسلّل الليليّ، لا كالبطل التراجيدي. ليس عليك أن "تُشفى"، يكفي فقط أن تتوقف عن إطعام الوحش. مارك توين قالها بطريقة ساخرة: "القلق مثل دفع فوائد على دَين لم يأتِ بعد. والحزن؟ فوائد على حياة لم تبدأ أصلًا". ابدأ حياتك حتى لو بتجربة غريبة وغير مهمّة، لا تنتظر المعنى.


انشغل ولو بالحماقات

هناك اعتقاد خطير بأنّ الحلول ينبغي أن تكون عظيمة. هذا غير صحيح، فلا أحد يطلب منك أن تُنقذ العالم، أو أن تكتب رواية وجوديّة. أحيانًا، كلّ ما تحتاجه لتفادي الغرق هو أن تحرّك قدمَيك. تابع برنامج طبخ، ثم لا تطبخ شيئًا. شاهد وثائقيًا عن الحيتان، وأنت بالكاد تفرّق بين الدلفين والغسّالة. اجعل من رأسك حفلة، ولو كانت صاخبة وسخيفة. فالحزن، كما تعلم، يحبّ الفراغ. إنه مثل الفئران، يزدهر في البيوت المهجورة. املأ يومك بأيّ شيء، حتى لو كان بلا معنى واضح.


احترف الكآبة موقتًا

إذا أصرّ الحزن على البقاء، فلا بأس. اجعله زيًّا تنكّريًا. ارتدِ الأسود، سرّح شعرك بطريقة ميلودرامية، وتحدّث كما لو كنتَ في عرض مسرحيّ: "هل من معنى للغسيل في هذا الكون العابر؟". لكن، الأهم، اضبط منبِّهًا لنهاية العرض. تشارلز بوكوفسكي قال ساخرًا: "البعض لا يصبح سعيدًا إلا إذا أُتيح له أن يكون تعيسًا أمام جمهور". لا تكن هذا الشخص، كُن الممثل الذي يتقن الدَّور ثم يخلع القناع ويذهب لتناول البوظة.


لا تثق بالنصائح (بما فيها هذه)

الحزن ليس مرضًا بسيطًا له مضاد حيوي، ومعظم النصائح لا قيمة لها، كما قال جورج كارلين: "الحزن هو عندما تدرك أنّ الناس يفضّلون تجاهلك بدلًا من أن يسألوا: "هل أنت بخير؟"، لأنّ الجواب دائمًا يربك حفلتهم".

خذ هذا الدليل كصندوق أدوات، لا كدليل شامل. إن لم تنجح المطرقة، جرّب المفك. وإن لم يفلح شيء، افتح النافذة ودع الضوء يدخل.


الحزن ليس عدوًا

لا تنتظر أن يختفي. فكّر فيه كجار مزعج لا يمكنك طرده قانونيًا، لكنك تستطيع تجاهله، أو وضع سماعات الأذن، أو رفع صوت المروحة. كيركغور قال: "أكثر الناس هربًا من الحزن هم أكثرهم ركضًا نحوه". لا تهرب، ولا تعانقه، فقط تجاهله ببرود، وابدأ إعداد قهوتك.


حين يصبح طقسًا يوميًا

أسوأ الحزن ليس الصراخ والدموع، بل ذاك الصامت، المتمدّن، الذي يصحو معك، يتابعك للعمل، ولا يقول شيئًا. لا يكسر قلبك بل يفرغه، يجعلك تمضي كظلّ لشخص كنت تعرفه. هذا الحزن هو أخطرهم، لأنه يتحوّل إلى عادة، إلى ما يشبه تنظيف الأسنان، لكن حتى هذا الشكل يمكن تفكيكه بتفاصيل صغيرة: ارتدِ جوارب زرقاء لا تليق بحزنك، غَيِّر طريق عودتك للبيت، اشترِ معجون أسنان بنكهة النعناع الساخن جدًا. يقولون إنّ الفوضى البسيطة تربك الحزن.


الأصدقاء

حين تحزن، يأتيك من يريد "سحبك" إلى الأعلى باقتباسات من كتب تنمية بشريّة كُتبت أثناء نوبات قهوة: "الحزن هو نعمة مقنّعة"، "اصنع من الألم قوة"، "في غيرك أحسن منّك وعندو سرطان"... لكن ليس كلّ من يحبّك يعرف كيف "يكون معك" في الحزن. بعضهم يتوتّر، بعضهم يريدك أن تتوقف بسرعة لأنك "بتضيّع الأجواء". وهنا، عليك أن تتعلّم ألّا تطالب الجميع بفهمك، إذ يكفي أن تجد شخصًا واحدًا يجلس بصمت، هذا أحيانًا كل ما تحتاجه.


كيف تعرف أنك خرجت من الحزن؟

لن تعرف. لن تستيقظ في يوم مشمس وتقول: "أنا سعيد!". لن تعزف موسيقى تصويرية. ما يحدث هو أن تنسى مراقبة نفسك. تجد أنك ضحكت من دون أن تقرّر، أنك غنّيت في الحمام، أنك توقّفت عن كتابة منشورات كئيبة... وهنا يبدأ التعافي. كما قال كورت فونيغت: "الحزن؟ مجرّد إعلان مزعج في منتصف حياتك اليومية. المشكلة أنّ الريموت لا يعمل". لكن مع الوقت، قد تجد زرّ كتم الصوت!


ساعة حائط

أحيانًا لا يكون الحزن ثقيلًا بل رتيبًا، كساعة حائط خربت فيها عقارب الدقائق، وبقي صوت "التيك" يعمل. لا يصفعك، لكنه ينقر على جمجمتك بإيقاع منتظم حتى يتعبك. إنّه ليس حفرة، بل ممرًّا طويلًا في مستشفى بارد تنطفئ أنواره تلقائيًّا كلّما تقدّمت. وأنت؟ تسير بصمت، تحاول أن تتذكّر لماذا دخلت هنا أصلًا. في هذا النوع من الحزن لا تنهار، بل تذوب تدريجيًا حتى تنسى شكلك.

لكنّ لحظةً صغيرة قد تسرّب الدفء إليك. وجه طفل غريب، فوضى موسيقى في "مول"، كلمة عابرة من شخص لم يقصدها. لا تحاول أن "تُشفى" منه، فقط دعه يمرّ. التعافي لا يصيح في وجهك بل يربّت على ظهرك بخجل. وكأنّ الحياة تقول: "أنا هنا، لكنّي خجلة قليلاً من فوضاي".


الحزن لا ينتهي بنقطة، بل يتلاشى مثل ضوء "نيون" حين ينقطع التيّار. ماذا يبقى بعده؟ مساحة صغيرة جدًا تكفي لأن تجلس فيها مع نفسك، وتضحك، حتى لو لم تكن تعرف لماذا.