أدركت إسرائيل في حروبها الأخيرة والمستمرة أن لديها قوة استثنائية. فهي تستطيع أن تضرب في أي مكان وأي وقت وأن تقتل من تشاء ولو في بروج مشيدة. واكتشفت، هي واعداؤها، وعلى خلاف المقولة السائدة، أنها أيضًا قادرة على خوض حروب مفتوحة دون أن تنهار أو حتى أن يرفّ لها جفن.
كذلك اكتشفت إسرائيل أن لأفعالها، وإن لم يكن لها، جماهير واسعة في المنطقة على اختلاف المشارب والمذاهب. فعندما سحقت "حزب الله" فرح معظم اللبنانيين غير الشيعة. كذلك هللت، لنصر إسرائيل على "الحزب"، معظم الفئات السورية المعارضة لنظام الأسد. والشيء نفسه تكرر عندما هاجمت إيران وصالت وجالت وأجهزت على قادة الصف الأول لدى الولي الفقيه.
أما لاحقًا وعندما قصفت إسرائيل رئاسة الأركان في دمشق نصرة لدروز السويداء، فوجد ما فعلته جمهورًا متحمسًا في جماعات الطرف المقابل. ففضلًا عن الدروز أنفسهم الذين رفعوا أعلام إسرائيل وهتفوا لها، احتفى بذلك القصف الإسرائيلي شيعة المنطقة والعلويون والكرد وكل الجماعات المتضررة من سقوط الأسد أو المتضررة من الحكم الجديد، وتمنت تلك الأطراف لو أن اسرائيل تكمل "معروفها" وتكسر نظام الشرع وتريحهم منه.
الطريف أنه وفي كل وقت تتقاطع فيه مصلحة طرف ما مع حروب إسرائيل يتهمه الطرف الآخر بالخيانة العظمى. ثم لا تلبث أن تتبدل الأدوار بشكل شبه هزلي عندما تتقاطع مصالح الطرف الآخر مع ضربات إسرائيل. ووئام وهاب أسطع مثال.
فاليوم وبعد أن صارت إسرائيل قبضاي المنطقة بغير منازع والمستعد دائمًا للانقضاض على كل من لا يرضيه سلوكه أو منظره، أصبح الكل يتمنى أن يكون خصمه هو الضحية القادمة للتأديب الإسرائيلي.
فمؤيدو النظام الجديد في سورية يتمنون أن تقتنع إسرائيل بأن الأولوية يجب أن تكون لمنع إيران وأذرعها من العودة إلى سورية ومنها إلى المنطقة، ويرجون كذلك أن ترى إسرائيل أن استقرار نظام الشرع، الذي يشاركها العداء الوجودي لإيران، هو الضمانة لعدم لدرء خطر الأخيرة.
اما إيران وجماعة الأسد ومحور الممانعة ومعهم الكرد وربما معظم الدروز فيتمنون، وربما يسعون أيضاً، لأن تقتنع إسرائيل بأن سورية ضعيفة ومفتتة هي خيارها الأفضل، بدل المجازفة بسورية متماسكة ذات أصول جهادية ومدعومة من تركيا أردوغانية معادية لإسرائيل.
هذا الرهان على موقف عدائي لإسرائيل من النظام السوري الجديد هو ما قد يفسر استشراس "حزب الله" في الإصرار على سلاحه، رغم أن هذا السلاح صار اليوم عبئًا عليه وعلى جمهوره. فـ "الحزب" يأمل أنه في حال شرعت إسرائيل في قلب الأوضاع في سورية، فذلك يمنحه الفرصة لاستعادة جزء من رئته الشرقية والوحيدة، ومعها استعادة أمله في الحياة مجددًا. والتخلي عن السلاح اليوم سيحرم "الحزب" هذه الفرصة.
الكل اليوم يراهن على عدوانية إسرائيل لخصومه من الجماعات الأخرى. فعدا فلسطين الذي يتعرض أهلها في غزة لعملية تجويع مريعة، ليس العداء لإسرائيل هو الأصل، إنما هو وسيلة لهزيمة الخصم المحلي. وبما أنه تبين أن كلفة التصادم مع إسرائيل أكبر بكثير من فوائده، لم يبق إلا الرهان على عدائية إسرائيل للخصم.
لقد جرى الحديث مؤخرًا عن التطبيع القادم مع إسرائيل، والمؤجل ربما لما بعد غزة أو بعد نتنياهو. ولكن بغض النظر عن هذا التطبيع السياسي معها، يحصل اليوم تطبيع من نوع آخر مع حروبها.