الدكتور سايد حرقص

تصريحات إيرانية تؤكد: "حزب الله" قاعدة إيرانية عسكرية على البحر المتوسط

4 دقائق للقراءة

​في أعقاب قرارات الحكومة اللبنانية بنزع سلاح "حزب الله"، برزت تصريحات إيرانية صادرة عن مسؤولين كبار لتشعل النقاش حول دور الحزب وسلاحه في المشهد اللبناني. تؤكد هذه التصريحات بما لا يدع مجالًا للشك أن "حزب الله" يمثل قاعدة عسكرية استراتيجية لطهران على الأراضي اللبنانية، مما يثير تساؤلات جدية حول استراتيجية ايران في تقويض السيادة اللبنانية.



​في 9 آب 2025، أعلن علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الإيراني للشؤون الدولية، أن بلاده تعارض بشكل قاطع نزع سلاح "حزب الله"، مشددًا على أن أي محاولة لتحقيق ذلك "ستفشل كما فشلت سابقًا". كما أكد أن إيران "ستواصل دعم "حزب الله" بكل الوسائل"، محذرًا من أن تجريد الحزب من سلاحه "يخدم أمريكا وإسرائيل" ويفتح الباب أمام "تكرار سيناريو الجولان" في لبنان.



​واجهت هذه التصريحات ردود فعل قوية، حيث وصفتها جهات لبنانية ودولية بأنها تدخل مباشر في الشؤون الداخلية للبنان. من جانبها، رفضت وزارة الخارجية اللبنانية هذه التصريحات بشكل رسمي، مؤكدة أن مسألة السلاح هي شأن داخلي يقرره اللبنانيون أنفسهم، ومحذرة من المساس بالسيادة الوطنية.



​لم تكن تصريحات ولايتي هي الأولى من نوعها. ففي العام الماضي، يتذكر اللبنانيون جيدا أن عملية "البيجر" الشهيرة كان أول ضحية لها، السفير الإيراني في لبنان الذي كان يشرف شخصيًا على المناورة العسكرية لوحدات النخبة في الحزب، يالاضافة الى ذلك صرّح كمال خرازي، مستشار آخر للمرشد، بأن إيران "لن تقف مكتوفة الأيدي" إذا تعرض "حزب الله" لهجوم إسرائيلي واسع، وأنها ستدعمه "بكل الوسائل الممكنة" لكن الحكومة اللبنانية ووزارة الخارجية تغاضت يومها عن تلك الاحداث والتصريحات ضمن سياسة الحكومات اللبنانية السابقة والتي كانت تعتمد سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال.



​تشير تقارير دولية وأمنية إلى أن "حزب الله" يعتمد بشكل اساسي على تجارة الكبتاغون وغسيل الأموال والتمويل والتسليح الإيراني، وأن قراراته الاستراتيجية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأجندة "الحرس الثوري الإيراني" التي تخطط للسيطرة على الشرق وإقامة الدولة الإسلامية الكبرى التي يرعاها صاحب الزمان ووليه الإمام الخامنئي والتي امتدت خيوطها من طهران الى بيروت مرورا ببغداد ودمشق وصنعاء. وهذه العلاقة ليست خفية، فقد سبق للأمين العام الراحل  لـ "الحزب"حسن نصرالله أن صرّح بوضوح: "موازنة "حزب الله" ومعاشاته ومصاريفه وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه من الجمهورية الإسلامية في إيران". وأشار إلى أن التمويل يصل مباشرة دون المرور بالبنوك اللبنانية، مؤكّدًا بفخر أن "طالما يوجد في إيران فلوس، يعني نحن لدينا فلوس".



​في مناسبة أخرى، أكد نصرالله أن الحزب يتلقى الدعم المادي من إيران، مضيفًا أنه "نفتخر بذلك" وأن الحزب لا يعتمد على مشاريع أو استثمارات مصرفية داخلية. تُعد هذه التصريحات بالاضافة الى محتويات الكتب المنشورة للأمين العام الحالي ل"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم أقوى اثباتات واضحة من قيادة "حزب الله" عن طبيعة الارتباط العضوي والتنظيمي والعسكري والمالي بين الحزب وإيران.



​في عدة مناسبات، تحدث السفير الإيراني في بيروت بلهجة تعكس اعتبار "حزب الله" خط الدفاع الأول لإيران في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. هذا الموقف وإشرافه الشخصي على عملية البيجر التي كان الحزب يعتبرها من أهم المناورات العسكرية لقوات النخبة لديه، يعزز التأكيد أن الحزب ليس مجرد فصيل لبناني مسلح، بل هو بمثابة قاعدة عسكرية متقدمة تابعة لطهران على ساحل البحر المتوسط وحجر الاساس لبناء الامبروطورية الفارسية الاسلامية الكبرى التي نادى بها الامام الخميني ويعمل على تحقيقها الامام الخامنئي.


​تطرح هذه المعطيات مجتمعةً تساؤلات خطيرة حول دور وأهداف "حزب الله" في السياسة الداخلية والخارجية للبنان، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والمالية والدبلوماسية التي تعصف بالبلاد نتيجة هيمنة "حزب الله" على القرار في بيروت. فارتباط الحزب عسكريًا وسياسيًا بطهران جعل لبنان عرضة للتجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية، وساهم في تقوّيض نظامه المالي وجره الى حروب مدمرة مما حال دون نجاح أي محاولة لتحييده عن المحاور الدولية.



​في ضوء هذا الواقع، هل ستتمكن الحكومة اللبنانية من تطبيق قراراتها بحصر السلاح بالقوى الشرعية؟ وهل يستطيع لبنان استعادة قراره السيادي ؟أم سيظل رهينة خيارين أحلاهما مر: إما الصدام بين الجيش و"حزب الله"، أو استمرار تعرضه للعقوبات الدولية والضربات الإسرائيلية؟