على امتداد الساحل اللبناني، من أقصى الشمال في العريضة إلى أقصى الجنوب في الناقورة، يُفترض أن يتمتع المواطنون بشريطٍ بحريّ طبيعي، يتيح لهم حقّ التنفّس والاستجمام بحرية، كما يكفله الدستور اللبناني. لكن الواقع يُظهر عكس ذلك تمامًا، إذ بات البحر في لبنان، في معظمه، محاطًا بجدران إسمنتية وبوابات حديدية وأسوارٍ لا تُخترق إلا بدفع رسوم دخول باهظة، جعلت من هذا الفضاء العام مساحة مقفلة حكرًا على القادرين على الدفع.
في لبنان، لم يعد البحر متاحًا للجميع. سُلب حقّ المواطن في ملامسة مياهه، لا فقط بسبب الاحتلال المادي المباشر، بل بفعل تواطؤ سياسي وإداري متعدّد الطبقات، وبتوافر غطاء قانوني مشبوه أتاح تحويل الأملاك البحرية العامة إلى مشاريع سياحية خاصة مربحة على حساب الصالح العام.
حين يُصبح الحق امتيازًا: إدفع لتشمّ رائحة البحر"
في ظهيرة يومٍ صيفيّ حارّ، يتوق زياد، موظّف من بيروت في منتصف الأربعينات من عمره، إلى تمضية بضع ساعات مع أطفاله قرب البحر. يتوجه إلى أحد المنتجعات البحرية في جونية، ظنًّا منه أن ثمة مساحة عامة مفتوحة، لكن يقابله حارس المنتجع بعبارة حاسمة: "الدخول 20 دولارًا للفرد". وعندما يسأله إن كان هناك منفذ مجاني قريب، يجيبه ضاحكًا: "ما في... البحر مش مجاني هون".
هذه الحادثة لم تعد استثناء، بل تحوّلت إلى واقع يومي يعيشه اللبنانيون. فوفق تقارير حديثة صادرة عن "المفكرة القانونية" و"جمعية نحن"، أكثر من 80 % من الشاطئ اللبناني بات مستولى عليه من قبل أفراد ومؤسسات، إمّا عبر الاحتلال المباشر أو من خلال تراخيص يُثار حولها الكثير من الشبهات.
بكلمات أخرى، من أصل 220 كلم تمثل طول الساحل اللبناني، بات 176 كلم منه خارج متناول العامة، بفعل سياسات الاستحواذ المنظّم والتمادي في الاعتداء على الملك العام.
القانون موجود... لكن على الورق فقط
يُحدّد القانون اللبناني بشكل لا لبس فيه أن الأملاك البحرية العامة لا تُباع، ولا يُمكن التصرف بها أو تحويلها إلى مشاريع خاصة. ومع ذلك، فإن التطبيق الفعلي يسير في اتجاه معاكس تمامًا.
فقد سمحت مراسيم وزارية وقرارات إدارية، بعضها يعود إلى زمن الحرب الأهلية، بمنح أذونات موقتة تحت عناوين "استثمار سياحي" أو "تنمية اقتصادية"، تحوّلت مع الوقت إلى احتلال دائم ومستمر دون حسيب أو رقيب.
في تقرير استقصائي نشرته أخيرا منصة This is Beirut، تم توثيق 1,068 تعدّيًا واضحًا على الأملاك البحرية العامة، بمساحة تتجاوز 6 ملايين متر مربع.
وبحسب تقديرات وزارة الأشغال العامة، فإن الدولة اللبنانية لا تجني من هذه التعديات سوى ما لا يتجاوز 0.5 % من قيمتها الفعلية. أما الأرقام الأكثر دقة، فتكشفها دراسة لجمعية "تير دي ليبان"، التي تشير إلى أن الدولة كان بإمكانها أن تجني ما يصل إلى 10 مليارات دولار سنويًا لو نَظّمت هذه التعديات وفَرضت رسومًا عادلة ومنصفة.
مقاومة شعبية... ضد سلطة غائبة
رغم الصمت الرسمي والشلل الإداري، لا تزال مبادرات المواطنين تقاوم التعديات على البحر. ففي بلدة كفرعبيدا، نجحت حملة شعبية بالاستناد إلى خرائط رسمية وقرار قضائي في وقف مشروع عقاري كان سيحرم الأهالي من شاطئهم الصخري المعروف بـ"أبو علي".
وفي مدينة صور، تجمّع ناشطون بيئيون ومحليون لوقف مشروع توسعة على حساب محمية رملية طبيعية. أما في بيروت، فقد نُظّمت تحركات عدّة على مدار أشهر، مطالبة بإعادة فتح "الرملة البيضاء"، الشاطئ العام الرسمي الوحيد في العاصمة، الذي بقي مغلقًا رغم وضوح ملكيته العامة.
هذه المبادرات تؤكد أن المعركة من أجل حماية البحر لم تُحسم بعد، وأن الإرادة الشعبية قادرة على كسر بعض جدران الحصار، ولو جزئيًا.
بين البحر والحرمان... أزمة هوية وطنية
ليس البحر مجرّد فسحة طبيعية أو مرفقًا سياحيًا. إنه مساحة انتماء، وحقّ دستوري، وتعبير عن المساواة بين المواطنين.
أن يُحرم الإنسان من ملامسة مياه البحر، هو أشبه بأن يُجرد من حقه في الوطن، ويُقصى عن المشاركة في ملكيته الجماعية.
لكن، طالما يُنظر إلى البحر كغنيمة يتقاسمها الأقوياء، لا كأمانة في عنق الدولة والمجتمع، سيبقى المواطن محرومًا، وستبقى الهوّة تتّسع بين اللبنانيين وحقهم في العيش الكريم.
وفي بلدٍ تُنهب فيه ثرواته على مرأى من الجميع، يبقى السؤال معلقًا:من يحرّر البحر؟ ومن يحاسب من سرقه؟