في بلد لم يعد الفساد فيه محصوراً في السياسة أو الإقتصاد، بات المواطن اللبناني مهدّداً في أبسط حقوقه: حقه في غذاء آمن وسليم.
فالصحة التي يُفترض أن تكون أولوية في أي دولة، أصبحت في لبنان رهينة الفوضى، وواقعاً هشاً يتأرجح بين الإهمال وغياب الرقابة.
مشاهد اللحوم الفاسدة التي تُضبط بين حين وآخر، والمنتجات غير الصالحة التي تغزو الأسواق من دون رادع، لم تعد مجرد استثناءات نادرة، بل تحوّلت إلى جزء من مشهد يومي مألوف، يثير القلق والخوف مع كل وجبة يتناولها المواطن.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، تصاعدت بشكل لافت التحذيرات من حالات تسمم غذائي، أظهرت التحقيقات أن مصادرها غالباً ما تكون لحوماً وأجباناً وألباناً غير مطابقة للمعايير الصحية.
هذه الحوادث أعادت فتح ملف بالغ الخطورة طالما تم التغاضي عنه أو معالجته بالمسكّنات: من يحمي اللبناني من الغذاء الفاسد؟ وكيف يمكن أن تبقى صحة الناس في مهب الغش والتلاعب، في ظل غياب منظومة رقابة متكاملة وفعالة؟
وفي ظل تداخل صلاحيات الوزارات، وتضارب المسؤوليات بين مؤسسات الدولة، وغياب التنسيق الحقيقي، تبقى محاسبة الفاسدين محدودة أو شبه غائبة.
وهكذا، يبقى المواطن الحلقة الأضعف في سلسلة طويلة من الإهمال، تدفعه يومياً إلى التساؤل: هل ما أتناوله آمن؟ وهل يمكن الوثوق بما يُعرض على رفوف المتاجر؟ وفي غياب المساءلة الجدية والرقابة الصارمة، تصبح الإجابة أكثر غموضاً، وتزداد المخاطر التي تهدد صحة مجتمع بأكمله.
وفي حديث لصحيفة "نداء الوطن"، أشار رئيس لجنة الصحة النيابية، الدكتور بلال عبدالله، إلى أنّ مشكلة اللحوم الفاسدة بأنواعها سواء لحوم بقر، دجاج، أسماك، أو أغنام هي مشكلة مزمنة في الأسواق اللبنانية، تعود أساساً إلى ضعف الرقابة.
وأوضح أن هذا الضعف يشمل الرقابة داخل السوق، كما يشمل الرقابة على المرافئ الشرعية وغير الشرعية، لا سيّما المرافئ البحرية، التي تدخل عبرها نسبة كبيرة من اللحوم المجمدة أو المبردة.
وأضاف عبدالله أن غياب الكهرباء، والفساد المنتشر في بعض الأوساط التجارية، كلّها عوامل تؤدي إلى تعرّض اللبنانيين للحوم الفاسدة، خصوصاً عندما تستخدم هذه اللحوم في تصنيع المنتجات مثل السجق، المقانق، وغيرها من مستحضرات اللحوم.
ولفت إلى أن المسؤولية في هذا الملف تتوزع على عدة جهات، منها وزارات الزراعة، الاقتصاد، الصحة، بالإضافة إلى الجمارك وأمن الدولة.
ولكنه شدد في الوقت نفسه على أن مجلس النواب، سبق أن أنشأ الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء بموجب قانون، إلا أن هذه الهيئة لم تُفعّل حتى الآن.
وأشار عبدالله إلى أن هذه الهيئة، التي تُعد صلاحياتها أعلى من صلاحيات الوزارات المعنية، من شأنها أن تتابع كل ما يتعلق بالغذاء، من المنشأ أو المرفأ حتى يصل إلى المستهلك.
وأعرب عن أمله في أن يتم تفعيلها في أقرب وقت ممكن، لما لذلك من أثر مباشر على صحة المواطنين، والتخفيف من الأمراض والإستشفاء الناتج عن التسمم الغذائي.
وتابع عبدالله قائلاً: إن التسمم الغذائي أصبح ظاهرة يومية في لبنان، خصوصاً من مصادر مثل اللحوم، الأجبان، الألبان، والحلويات.
وأضاف أن كل حالة من هذا النوع يجب أن تفتح باب التحقيق لتحديد الجهة المسؤولة، والتي قد تكون فرداً، مؤسسة، مستورداً، أو حتى الدولة نفسها.
وعن مدى وجود نقاشات في مجلس النواب لتشديد العقوبات على المخالفين في ملف اللحوم الفاسدة، أوضح عبدالله أن الأمر لا يحتاج حالياً إلى تشريعات جديدة، بل المطلوب فقط هو إصدار المراسيم اللازمة لتفعيل الهيئة الوطنية لسلامة الغذاء.
وفي ظل تفاقم هذا الواقع المقلق، تبقى صحة اللبناني على المحك، بانتظار تفعيل الهيئات الرقابية واتخاذ خطوات جدية لا تحتمل المزيد من التأجيل. فالغذاء ليس مجرد سلعة بل حق أساسي لا يجوز التهاون فيه.