إذا كان النّفري يقول: "كلّما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة"، فيمكن القول الآن، من وحي هذه الكلمات: كلّما ازداد الحَجْر والعزلة والخوف تضاعفت الحاجة إلى المخيّلة وأجنحتها العالية. المخيّلة التي جعلت الإنسان يحلم بأن يطير وأن يصل إلى الكواكب البعيدة قبل ألوف السنين من وصوله إلى القمر. وثمّة أشياء كثيرة حلم بها الإنسان على مرّ العصور وتحقّقت، ومنها ما كان يطالعنا في كتب الخيال العلميّ أو في مقولات علماء ومفكّرين وفلاسفة استقت منهم الدول الحديثة بعض أسسها وقوانينها.
في مرحلة الوباء التي تَغيَّر معها فجأةً إيقاع العالم المتسارع، ليس غريباً أن تتزايد الإصدارات التي تتناول الحَجْر وانعكاساته واستخلاص العِبَر منه. بعض هذه الإصدارات تلتفت إلى حياتنا الحميمة وأحلامنا التي يندر الحديث عنها، وتبدو للبعض، في خضمّ الواقع القاتم، كأنها قوارب نجاة تحملهم من الحاضر إلى المستقبل المفتوح على الاحتمالات كلّها. في هذا الإطار، صدر أخيراً عن منشورات "فلاماريون" الباريسيّة كتاب بعنوان "مستقبل" للكاتب أنطوان بوينو، وهو ينطلق من عدّة تساؤلات حول المستقبل وما يتعلّق باستعمال العلوم والتكنولوجيا من أجل تحسين الطاقات الإنسانيّة، جسدياً وعقلياً، وحول ما يمكن أن يكون عليه، في الآتي من الأيّام، الفنّ والإبداع بشكل عام، وأيضاً الجنس. في هذه الفقرة، يتحدّث المؤلّف عن محدوديّة العلاقة بالجنس وكيف أنه يُمارَس بالطريقة البدائيّة نفسها منذ ملايين السنين، ولم تطرأ عليه سوى تعديلات طفيفة من خلال الوسائط الافتراضيّة الجديدة. فالمناطق المثيرة للشهوة تنتشر على أسطح جلديّة صغيرة والنشوة فيها لا تزال محدودة جداً، بحسب المؤلّف.
ليست المرّة الأولى التي يُعالَج فيها هذا الموضوع. هناك نصوص أدبية ودراسات علميّة كثيرة تطرّقت إليه، وكذلك أفلام سينمائيّة تدخل في نطاق الخيال العلمي. في فيلم "رجل الدمار" (فيلم أميركي أُنجز عام 1993 ويمثّل فيه سيلفستر ستالون) يصحو أحدهم بعد تجميده فترة سنوات طويلة، ويكتشف أنّ العالم تغيّر حوله وأنّ الجنس لم يعد يتمّ من خلال احتكاك جسدين ومن خلال "ممارسات همجيّة" صارت من مخلّفات الماضي، بل أصبح يرتكز، في هذا الجوّ الخيالي، على خوذة موصولة بأجهزة إلكترونيّة يعتمرها طرفا العلاقة، وتقوم على تحريك مناطق الدماغ المرتبطة باللذّة والنشوة.
ولئن بدا هذا الفيلم السينمائي محض خيال، فإنّ دخول التكنولوجيا الجديدة في الحياة الجنسيّة أصبح مكرَّساً. أصبح الجنس الافتراضي جزءاً مهمّاً من الجنس، وهو يفعل فعله مهما كانت المسافات بعيدة، فيجعل العزلة مأهولةً ويبدّل معناها. بالإضافة إلى ما يوفّره الإنترنت ووسائل الاتصال الحديثة، هناك أيضاً ما يضاعف إمكانات الجسد من خلال أدوات وأجهزة آليّة تكون بمثابة امتداد له، كما أنّ التلفون امتداد للصوت والسمع، والنظّارات للنظر، ووسائل المواصلات لنهب المسافات، والمنظومات الرقميّة للعقل والذاكرة والحفظ.
بعض الأدوات الجنسيّة المبتكَرة كان هناك ما يماثلها لكن من حجارة مصقولة تعود إلى قرابة الثلاثين ألف سنة، أي إلى المرحلة التي بدأ الإنسان يعبّر فيها عن نفسه من خلال أعمال فنّيّة وُجدت على جدران المغاور. أمّا الأدوات المُزمَع ابتكارها الآن وفي المستقبل القريب لتحسين الحياة الجنسيّة فستكون بداية مرحلة جديدة تُستعمل فيها مجسّات حسّيّة تسجّل، عن بُعد، الحرارة ودقّات القلب وتعتمد على صوَر ثلاثيّة الأبعاد تسمح بتحقيق استيهامات يتعذّر بلوغها في الواقع. المتحمّسون لهذا الاتجاه الافتراضي يعدّدون إيجابيّاته ومنها تجنّب الأمراض المُعدية وتفادي الحَمل غير المرغوب فيه. لكن هناك من يعتبر أنّ المضيّ في هذا التوجُّه سيعزّز العزلة الفرديّة والاجتماعيّة، والانسحاب أكثر فأكثر من العالم الواقعي. رُقعَة الحياة الافتراضيّة التي تضاعفت مع فترات الحَجر، خوفاً وهرباً من الوباء، أصبحت تحتلّ حيّزاً كبيراً في الواقع الملموس، وأصبح الواقعي والافتراضي على تماسّ وتفاعل أعمق بين مختلف المجالات، أكثر من أيّ وقت مضى. هناك اليوم من يسافر إلى أقاصي الأرض من دون أن يفارق غرفته المغلقة. يتواصل مع الخارج ويتّصل بمن يشاء. يتسوّق من المحلاّت ويزور مواقع أثريّة ويكتشف الحدائق، ويحضر أفلاماً سينمائيّة ووثائقيّة، ويستمع إلى حفلات غنائيّة وموسيقيّة، كما يدخل إلى متاحف ومكتبات لا تغلق أبوابها على الإطلاق. البعض يسمّي هذا الواقع الجديد "حياة ثانية". فهل هو حقّاً حياة ثانية؟