أبو زهير

كعب الكَيلة...

3 دقائق للقراءة

لا يمرّ يوم إلاّ وأتذكر فيه والدتي الحاجة إقبال. أقرأ لها الفاتحة وأترحّم على روحها الطاهرة. أذكرها في وقوفها إلى جانبي في السراء والضراء. في دفاعها عنّي بمواجهة الوالد الذي كان شديدًا "ما بيطيق الزاحلة" (أي الشواذ)، والذي كان يلجأ دومًا إلى معاقبتي حينما كنت أقترف الأخطاء وارتكب الهفوات، فتحشد لي، وتقول لأبي الحاج فاروق: "سامحو، مش رح يعيدها"... وكنت أعيدها وأعيدها.


برغم عطفها وحنانها الفائقين، كانت "نبع الحنان" صاحبة مزاج لا يخلو من العنف في بعض الأحيان، تمارسه ضدي على طريقتها. لكن ذاك العنف مهما تطور وزاد منسوبه كانت دومًا منطلقاته نابعة من خوفها عَلَيّ وعلى سلامتي.


أكثر موقف يتردّد في ذهني هذه الأيام، هو حينما كُنت أخرج من المنزل لألعب مع أترابي في الحيّ وأغيب لساعات، ولا أعود إلاّ مع غروب الشمس. أذكر كيف كانت تعدّ لي متكأً، وتوقد تحت "خلقينة" المياه لأغتسل كي أخلد إلى فراشي نظيفًا "متل الفلّ".

فور عودتي كانت تقول لي الحاجة: "فوت على الحمام لغسّلك"... ثم عيونك ما تشوف إلاّ النور.


كانت تتعمّد أن تبدأ بسكب الماء على رأسي، ثم تمسك صابونة "ص.ع" وتبدأ بـ"الرغي، والرغي، والرغي" حتى أُصاب بعمى موقت، فأعجز عن فتح عيوني حتى لا أتحيّن أيّ فرصة للهرب من "كعب الكيلة"، الذي ينزل كـ"المزربة" على رأسي، والمترافق دومًا مع رشقات من الصفعات والقرص واللكع، مع تردادها جملة وحيدة، أذكرها إلى اليوم: "بعد بدك تروح وتختفي من الحيّ"... حتى يسمع صراخي والدي من الخارج فتنقلب الآية، حيث يبدأ هو بالدفاع عني.


استراتيجية "كعب الكيلة" تُشبه إلى حدّ بعيد ما يفعله "حزب الله" مع بيئته، لكن بفارق بسيط في التكتيك: أمي ما كانت تسمح لي بالذهاب بعيدًا عن الحيّ، لكن "الحزب" هو من يدفع بيئته ويبعدها، فيتسبب لها بـ"القتلة" حينما تعود. "قتلة" ليس منه هو بالضبط وإنما "قتلة" من الغير.


إصرار "الحزب" على المنحى نفسه، يتسبب للبيئة بالأزمة نفسها في كل مرة، وقد شهدنا كلنا كلبنانيين على ذلك في أكثر من محطة: في "حرب تموز" و"حرب المساندة" ثم موقعة سقوط النظام السوري وهروب الأسد، ثم استهداف النووي الإيراني... وغيرها من حروب ونكسات وجولات قتال لم تنتهِ.


لا يترك "حزب الله" مناسبة إلاّ ويستخدم تلك البيئة، كوقودٍ وحطبٍ، من أجل تنفيذ سياساته فيرفعها "فَلَق" ويمدها جسرًا للوصول إلى مآربه. يأخذ بيئته في كل مرة إلى مكان لا يمكنها الرجوع منه بلا "قتلة" أو "شلوط" أو "سحسوح": ساند "حماس" فانهارت، وقف إلى جانب رأس النظام السوري فهرب الأسد، ارتضى أن تكون البيئة وخيرة شبابها درعًا بشرية كرمى لعيون "النووي الإيراني"، فدمرته إسرائيل وأميركا بعد أن دمّرت الجنوب والضاحية والبقاع.


واليوم، ينفخ فيها ويحقنها لتكون درعًا بوجه الحكومة وقرار "حصر السلاح"... يأخذها بعيدًا وبعيدًا، ويوقد النار على "الخلقينة" ويجهّز "الكيلة"، مع قارورة "شامبو عقائدي"، على أمل أن تُعمي العيون... والبصائر.