في ظل التناقض الصارخ بين الموقف الإيراني والمواقف الدولية في لبنان، يجد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، نفسه في عين العاصفة. فمن جهة، وصلت إلى بيروت رسائل إيرانية واضحة، عبر سفيرها، ترفض أي تفاوض جدي حول نزع سلاح "حزب الله"، أو تسليم ما يسمى بترسانة "المقاومة". ومن جهة أخرى، هناك موافقة مبدئية من الحكومة اللبنانية على الورقة الأميركية، التي تُعد خارطة طريق متكاملة تشمل تطبيق القرارات الدولية ونزع سلاح جميع الميليشيات وعلى رأسها حزب الله وإنسحاب إسرائيل وإعادة الاسرى وإعمار ما دمرته الحرب وتنشيط الاقتصاد الوطني.
هذا التناقض يضع الرئيس بري، الذي لطالما قدم نفسه كصانع التسويات التاريخية، أمام خيار شديد التعقيد. فهل يلتزم بتحالفه الاستراتيجي مع "حزب الله" والمرجعية الإيرانية؟ أم يدرك أن الانخراط في مسار تفاوضي جدي هو المدخل الوحيد لتخفيف الضغط الدولي على لبنان وإنقاذ ما تبقى من شرعية مؤسساته؟
لكن السؤال الأبرز اليوم هو: هل ما زالت في جعبة بري "الأرانب" التي اعتاد إخراجها في اللحظات الحرجة؟ أم أن المشهد الدولي قد تغير، وضاق هامش المناورة، مما جعل أدواته القديمة والتقليدية بلا جدوى؟
وراء هذا المشهد السياسي، يكمن هاجس شخصي لا يقل خطورة. فبري، الذي راكم أكثر من 45 عامًا من الحياة العامة، وبنى إرثًا سياسيًا راسخًا داخل طائفته وعلى الساحة الوطنية، يدرك أن أي خطوة خاطئة قد تضعه في مرمى العقوبات الأميركية. هذه العقوبات لا تهدد مكانته فقط، بل قد تمتد لتطال أبناءه وثرواتهم، خاصة في ظل استعداد واشنطن لاستخدام كل وسائل الضغط المتاحة ضد أي شخصية تُعتبر "شريكًا" في حماية سلاح "حزب الله" أو تعطيل القرارات الدولية.
فهل سيغامر بري بإرثه السياسي الذي بناه على مدى عقود، ويجازف بإدخال عائلته في دائرة الاستهداف الدولي، من أجل الدفاع المطلق عن خيار إيراني؟ أم أن حسّه البراغماتي المعروف كأحد أهم الثعالب السياسية على الساحة اللبنانية سيدفعه للبحث عن اللحظة المناسبة للقفز من المركب الإيراني الغارق، بطريقة تحفظ له صورته كرجل دولة، وتفتح الباب أمام مفاوضات مباشرة مع الأميركيين والأوروبيين؟
الواقع أن اللحظة الراهنة لا تشبه أي محطة سابقة. فشباك الحماية الإقليمية والدولية التي طالما استفاد منها بري، وتمرّس في اللعب عليها، فقدت قدرتها الفعلية. ولم يعد اللعب على التناقضات مجديًا لكسب الوقت. قد يكتشف الرئيس بري هنا أن الخروج من هذا المأزق يتطلب أكثر من "أرنب" سياسي؛ إنه يتطلب مراجعة جذرية لمسار كامل تحالفاته، والقفز من المركب المحترق في اللحظة المناسبة.