انتظر اللبنانيون طويلًا، وها هو أخيرًا مجلس الوزراء اللبناني يصدر قرارًا يقضي بـ"حصر السلاح بيد الدولة"، على أن يُكلَّف الجيش اللبناني بوضع ورقة تحدد آلية تنفيذ هذا القرار قبل نهاية العام. وقد اعتبر كثير من اللبنانيين هذه الخطوة بادرة أمل حقيقية، تشكل الميل الأول في مسار الألف ميل نحو نزع كل أنواع السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية.
في المقابل، رأى جزء آخر من اللبنانيين أن هذا القرار يُفترض أن يكون بديهيًا، إذ لا يمكن قيام دولة دون بسط سيادتها الكاملة على كافة أراضيها. فالمادة 65 من الدستور اللبناني تنص بوضوح على أن السلطة الإجرائية تناط بمجلس الوزراء، وهو السلطة التي تخضع لها القوات المسلحة. وبناءً عليه، لا يمكن أن توجد قوات مسلحة تخضع لسلطة أخرى خارج إطار مجلس الوزراء.
هذا المبدأ يجد دعمه أيضًا في اتفاق الطائف (1989)، لا سيّما في البند الثالث الذي ينص على أن: «تُعيد الدولة اللبنانية بسط سلطتها تدريجيًا على جميع الأراضي اللبنانية بقواها الذاتية الشرعية، بحيث لا تبقى أي منطقة خارج سلطة الدولة، ولا سلاح غير شرعي في أيدي أي جماعة كانت.» كما يعزز هذا التوجه كل من البندين الثاني والرابع من الاتفاق، مما يثبت أن مسألة حصرية السلاح بيد الدولة هي مسألة سيادية جوهرية، وليست مجرد إجراء إداري.
من منظور الفكر السياسي، يُعدّ احتكار العنف المشروع عنصرًا تأسيسيًا في تعريف الدولة الحديثة. وفقًا للفيلسوف البريطاني توماس هوبز، تنشأ الدولة نتيجة تنازل الأفراد عن جزء من حريتهم لصالح سلطة عليا تمتلك القوة المطلقة لحفظ الأمن والنظام، ويرى هوبز أن غياب هذه السلطة الواحدة سيؤدي حتمًا إلى الفوضى، حيث ستكون "الحياة منعزلة، فقيرة، قذرة، وحشية، وقصيرة". أما عالم الاجتماع ماكس فيبر فقد صاغ تعريفًا كلاسيكيًا للدولة باعتبارها «الجماعة البشرية التي تحتكر بنجاح الاستخدام المشروع للعنف داخل إقليم معين»، مؤكدًا أنه لا يمكن السماح لأي قوة أخرى بممارسة العنف إلا بترخيص من الدولة.
بدوره، يرى الفيلسوف الإنجليزي جون لوك أن «الغاية من إنشاء الدولة هي حماية الحياة والحرية والممتلكات»، ومن ثمّ فإن الدولة التي تعجز عن حماية هذه المقومات الأساسية أمام قوة مسلحة خارجة عن سلطتها، تفقد جوهر وظيفتها. أما جان جاك روسو فقد شدّد على البعد التعاقدي للعلاقة بين الأفراد والدولة، معتبرًا أن العقد الاجتماعي يقوم حين يتنازل كل فرد عن جزء من حريته الفردية لصالح "الإرادة العامة"، مقابل الحصول على حماية الحقوق والمساواة أمام القانون. وبناءً عليه، إذا التزم جزء من المواطنين بهذا التنازل وامتنع جزء آخر، فإن العقد الاجتماعي يصبح منقوصًا وتعتريه حالة من الخلل البنيوي.
على الصعيد العملي، لم يعرف لبنان منذ نشأته استقرارًا كاملًا في ظل وجود سلاح خارج سلطة الدولة. فقد شهد في سبعينيات القرن الماضي تشريع الدولة اللبنانية حق امتلاك السلاح والتصرف به للفصائل الفلسطينية المسلحة بحجة مقاومة إسرائيل، مرورًا بالحرب الأهلية (1975-1990) التي برزت فيها عشرات الميليشيات، وصولًا إلى ما بعد الحرب حيث تم الإبقاء على سلاح حزب الله كمقاومة خارج إطار الدولة. هذه النماذج تؤكد تعذّر قيام دولة حديثة مكتملة السيادة في ظل تعدد مصادر القوة المسلحة، حيث علق في أذهان اللبنانيين شواهد عديدة، أبرزها حين استَخدم حزب الله سلاحه في ٧ أيار ضد اللبنانيين، هذه الحادثة شكلت وعي جيل بأكمله الذي أصبح غير قادر على تحمل سلاحا خارج سلطة الدولة، التي أصبح من واجبها أن تحتكر السلاح وأن لا تقاسم هذا الحق مع أحد مهما كانت غايته.
اليوم، يقف رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلى جانب رئيس الحكومة والحكومة اللبنانية وقسم كبير من الشعب، في محاولة لتصحيح مسار تاريخي امتد لعقود، مدعومين بغطاء عربي ودولي، بهدف استعادة سلطة الدولة وبناء الثقة بمؤسساتها، بما يعيد للبنان موقعه كدولة سيادية متميزة في الشرق الأوسط.