خلصت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة المعنية بسوريا في تقرير صدر أمس، إلى أن جرائم حرب ارتكبت على الأرجح من جانب كلّ من قوات دمشق والمسلّحين الموالين لرئيس النظام السابق بشار الأسد خلال أعمال عنف طائفي واسعة النطاق اندلعت في منطقة الساحل السوري، والتي بلغت ذروتها بسلسلة من عمليات القتل في آذار الماضي. وأفاد التقرير بأن نحو 1400 شخص، معظمهم من المدنيين، قُتلوا خلال أعمال العنف التي استهدفت في المقام الأوّل العلويين، فيما لا تزال التقارير عن الانتهاكات تتوالى. وأكد التقرير أنه لا أدلّة على خطة حكومية لارتكاب الجرائم في الساحل السوري، لافتًا إلى أن اللجنة تمتعت بوصول غير مقيّد إلى المناطق الساحلية بتسهيل من دمشق.
وكشف التقرير أن أعمال العنف في الساحل شملت القتل والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية للجثث، إلى جانب النهب على نطاق واسع وحرق المنازل، ما أدّى إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين. وأقرّ بالتزام السلطات السورية بتحديد هوية المسؤولين عن العنف، لكنه شدّد على أن حجم العنف يستدعي اتخاذ خطوات إضافية، معتبرًا أن "ضمانات عدم تكرار الانتهاكات ينبغي أن تكون في قلب العملية الانتقالية في سوريا". وأكد التقرير أنه رغم أن بعض الانتهاكات ارتكبها مقاتلون مدمجون ضمن قوات الأمن في الحكومة السورية، فإن هناك قوات سعت في حالات أخرى إلى وقف الانتهاكات وإجلاء المدنيين وحمايتهم.
وأوضح التقرير أن معظم الضحايا كانوا رجالًا علويين تتراوح أعمارهم بين 20 و50 عامًا، لكن نساء وأطفالًا لا تتجاوز أعمارهم عامًا واحدًا قُتلوا أيضًا، مؤكدًا أن القتلة، الذين كانوا يجوبون المنازل بحثًا عن علويين، كانوا يصوّرون عمليات الإعدام بأنفسهم في بعض الأحيان. وكان الجناة أعضاء في قوات دمشق، بالإضافة إلى أفراد يعملون معها أو على مقربة منها، بينما أشار التقرير إلى أن مقاتلين موالين لنظام الأسد ارتكبوا انتهاكات أيضًا. وتجدر الإشارة إلى أن التقرير لا يُعد شاملًا، إذ لا تزال اللجنة تحقق في حوادث وقعت في حمص واللاذقية وطرطوس.
وأكد رئيس اللجنة باولو سيرجيو بينيرو أن "حجم ووحشية العنف الموثق في تقريرنا أمر مقلق للغاية". واستند التقرير إلى أكثر من 200 مقابلة مع ضحايا وشهود وزيارات لمواقع مقابر جماعية، في حين أشارت اللجنة إلى أنها ما تزال تتلقى معلومات عن انتهاكات مستمرّة في مناطق متضرّرة، مؤكدة حاجة هذه المجتمعات إلى إجراءات عاجلة لزيادة الحماية. ودعت اللجنة، دمشق، إلى ملاحقة جميع الجناة بغض النظر عن انتماءاتهم أو رتبهم، مشدّدة على ضرورة توسيع نطاق جهود المساءلة نظرًا إلى حجم العنف الموثق. كما دعت إلى فصل الأفراد المشتبه في تورّطهم بالانتهاكات فورًا من الخدمة الفعلية بانتظار نتائج التحقيق.
وتعليقًا على التقرير، أعرب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن "شكره وتقديره لرئيس اللجنة على جهوده في إعداد التقرير حول أحداث الساحل، والذي ينسجم مع تقرير لجنة تقصي الحقائق الوطنية المستقلّة"، مؤكدًا التزام سوريا بـ "دمج توصيات" التقرير الأممي "ضمن مسار بناء المؤسّسات وترسيخ دولة القانون". ورحّب بـ "استنتاجكم (اللجنة) أنه لا يوجد أي دليل على وجود سياسة أو توجيه حكومي بارتكاب هذه الجرائم".
توازيًا، وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك، التقرير، بأنه "خطوة جادة نحو وضع مقاييس واضحة وقابلة للتتبع لمسؤولية الحكومة السورية وشفافيتها وخضوعها للمساءلة، وهذا إنجاز ملموس وقابل للقياس"، مؤكدًا أن "سوريا موحّدة وشاملة تتطلّب السعي إلى تحقيق العدالة بشكل متواصل، مقرونًا بدرجة من الصبر المنهجي من قبل المجتمع الدولي".
على صعيد آخر، أفاد مصدر في الدفاع التركية بأن بلاده ستزوّد سوريا بأنظمة أسلحة ووسائل لوجستية بموجب مذكرة تعاون عسكري جرى توقيعها الأربعاء، موضحًا أن أنقرة ستدرّب الجيش السوري أيضًا على استخدام هذه المعدّات إذا لزم الأمر، حسب وكالة "رويترز". وذكر المصدر أنه "تستهدف المذكرة التنسيق والتخطيط للتدريب والتعاون العسكري وتقديم الاستشارات وتبادل المعلومات والخبرات وضمان شراء المعدّات العسكرية وأنظمة الأسلحة والمواد اللوجستية والخدمات ذات الصلة". ورأى أن "قسد" لم تفِ بأي من الشروط المنصوص عليها في "اتفاق آذار" مع دمشق، مجدّدًا اتهام أنقرة لـ "قسد" بأن أفعالها "الاستفزازية والانفصالية" تقوّض الوحدة السياسية في سوريا.
إلى ذلك، قُتل ستة أشخاص، بينهم مدنيَّان، وأُصيب ثمانية آخرون، بينهم ثلاثة مدنيين، من جرّاء انفجارات عنيفة دوّت في مستودع ذخيرة ومقر تابعَين لمقاتلين أجانب غير سوريين في منطقة مزارع إدلب الغربية، حسب "المرصد السوري"، الذي أفاد بأن الانفجارات تزامنت مع تحليق طائرات مسيّرة في أجواء المنطقة.