لقد دفعت أوروبا ثمنًا باهظًا بعد الحرب العالمية الثانية لاجتثاث الأيديولوجيات القومية المغلقة، وبنت نظامها السياسي على أسس التعددية والاندماج، رغم التحديات الديموغرافية والثقافية. ومن هذا الدرس التاريخي ينبثق الإدراك العميق لأوروبا والدول الغربية بأن الأمن والاستقرار الإقليميين لا يتحققان إلا عبر الاعتراف المتبادل وبناء شراكات حقيقية قائمة على التعددية، وليس من خلال إقصاء الآخر وفرض سرديات أحادية.
يشهد الشرق الأوسط في هذه المرحلة مفترق طرق تاريخي، إذ تتكاثف التحولات السياسية والفكرية التي تهدد الهياكل التقليدية للأمن القومي، وتفرض على الدول إعادة النظر في نماذجها وأولوياتها. وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل في اختبار وجودي حقيقي: دولة تأسست على مشروع قومي أحادي الهوية، مضطرة الارتباط بالرهانات الأمنية والعسكرية؛ هذه الدولة تواجه اليوم تحديات عالم متعدد الهويات والمصالح، حيث لم تعد النظرة الأحادية للمصالح والقومية تكفي لضمان البقاء والاستقرار.
وفي الوقت ذاته، يقدم الخليج العربي نموذجًا مختلفًا عن الدولة التقليدية، إذ تشهد السعودية ودول مجلس التعاون تحولات استراتيجية قائمة على مشاريع استثمارية وإنسانية تضع الإنسان في مركز السياسة، متجاوزة النزاعات الدينية والهوياتية المتعلّقة بالعروبة أو "العوربة" التي أطاحت بمشاريع التنمية لسنوات طويلة. هذا التوجه البراغماتي يعكس وعيًا بأن الازدهار الإقليمي لا يتحقق إلا بالانفتاح على التنوع وبناء تحالفات متعددة الأبعاد.
أما إسرائيل، فما زالت تحافظ على عقلية "أفق الصراع اللّامتناهي" إذ يرتبط وجودها بمفهوم الخطر الدائم، وترى أن الأمن يتحقق عبر الاحتكار العسكري والسيطرة بالقوة. ورغم الميزانيات الدفاعية الضخمة، كشفت التطورات الأخيرة هشاشة هذا النموذج. إن التمسك بالمشروع القومي الأحادي يضع الدولة أمام معضلة متزايدة: الاستمرار في دوامة العنف التي تعمق العزلة وتثقل كاهل الدولة، أو إعادة تعريف نفسها كدولة تعددية تتعايش بصدق مع المحيط كدولة فلسطينية مستقلة وبقية مكونات الأرض.
وفي هذا الإطار، يبرز خيار استراتيجي يضرب هويّتها الحاليّة : محاصرة إسرائيل بالسلام والضغط الدولي على الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فمن المتوقع أن تشهد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول المقبل تحركات قوية من فرنسا وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى البرتغال وأستراليا، لاعتماد اعتراف دولي بالدولة الفلسطينية. هذا الاعتراف سيضع إسرائيل تحت ضغط وجودي هائل، يدفعها أمام خيارين لا ثالث لهما:
• أن تتخلى عن هويتها الصهيونية العسكرية والطائفية، وتتكيف مع واقع متعدد الهويات، بما يشمل قبول دولة فلسطينية مستقلة.
• أو أن ترفض هذا المسار، فتدخل في أزمة هوية وشرعية قد تسرع من تآكل بنيتها الداخلية وتضعها أمام مأزق طويل الأمد.
كل اعتراف جديد بالدولة الفلسطينية مثل اعتراف أستراليا، أو مواقف بعض الدول الأوروبية ليس مجرد خطوة رمزية، بل هو جزء من بناء بيئة دولية جديدة تحاصر إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا.
كلما زادت الاعترافات، زاد الضغط على إسرائيل للتعامل مع واقع دولة فلسطينية قائمة، مما يقلص قدرتها على تبرير سياساتها كدولة في حالة دفاع دائم.
إذا كان الصراع المسلح يمد إسرائيل بالأوكسيجين الداعم الذي تتنفس به، فإن السلام العادل يسحب منها هذا الدعم.
إن فرض اتفاق سلام شامل، مدعوم باعترافات دولية متزايدة بالدولة الفلسطينية، قد يكون الأداة الأذكى لتفكيك الهوية الأحادية لإسرائيل من الداخل، ودون رصاصة واحدة.