شربل الترس

‎⁨حزب الله في مواجهة الشرعية...وأمينه العام مفصول عن الواقع!⁩

5 دقائق للقراءة

خرج أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم على اللبنانيين، بخطاب متلفز بمناسبة إحياء أربعينية الإمام الحسين في مدينة بعلبك، مهددًا الحكومة اللبنانية، وواصفًا إياها بأنها تعمل وفقًا لأجندة أميركية-إسرائيلية، وذلك رفضًا لقرارها الأخير في ٧ آب الحالي الذي يقضي بتكليف الجيش اللبناني وضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة وتنفيذها حتى نهاية العام الحالي.

وتوعد قاسم بخوض ما وصفها" معركة كربلائية" لمواجهة القرار، وقال إنه "لن تكون هناك حياة في لبنان إذا حاولت الحكومة مواجهة الحزب" في تهديد مباشر للحكومة في حال أكملت ما كانت قد بدأت به.

في المقابل، رفض رئيس الحكومة نواف سلام تهديد قاسم معتبرًا أنّ "الحديث عن أن الحكومة اللبنانية تنفذ مشروعًا أميركيًا إسرائيليًا هو حديث مردود." وأضاف سلام: "قراراتنا لبنانية صِرف، تُصنع في مجلس وزرائنا ولا أحد يمليها علينا".

حزب الله في مواجهة الدولة:

ما إن أصدرت الحكومة قرار حصر السلاح، حتى انهالت عليها كل أنواع الشتائم والتخوين، بدءًا بحملات ممنهجة مدروسة على مواقع التواصل الاجتماعي تصف رئيس الحكومة نواف سلام "بالصهيوني"، مرورًا بمسيرات الموتوسيكلات الهاتفة "شيعة شيعة"، وصولًا إلى كلام عالِ النبرة لمسؤولي الحزب وحركة أمل الرافضين للقرار، والذين وصفوا كل من وافق عليه من الوزراء بالخائن والمرتهن للخارج.

رئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد صرّح في مقابلة ضمن برنامج "حديث الساعة" على قناة المنار بأن قرار الحكومة اللبنانية بسحب سلاح المقاومة هو "قرار مرتجل فرضته الإملاءات الأميركية، وليس قرارًا سياديًا، ونُزعت عنه الميثاقية الوطنية".

كلام فيه من التحدي من رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله، يَضع جماعة كبيرة من اللبنانيين في مواجهة قرار شرعي صادر عن حكومة لبنان، ويحوّل مواجهة حزب الله العسكرية من إسرائيل إلى الحكومة وخلفهم قسم كبير من اللبنانيين.

لم يكتفِ مسؤولو الحزب بهذا الحدّ، فبدأ عدد كبير منهم يخرج على الناس للتشكيك بقدرة الجيش على حماية لبنان، مروّجين مجددًا لمعادلتهم "شعب-جيش-مقاومة" التي شرّعتها كل الحكومات المتعاقبة منذ الطائف حتّى حكومة سلام. هذا التشكيك المستمر من قبل الحزب، وتحديدًا بعد قرار الحكومة بتسليم مهمة سحب السلاح إلى الجيش، يضع جمهوره وقسمًا كبيرًا من اللبنانيين في مواجهة القوات الشرعية الوحيدة في لبنان، والتي يحرص الجميع عليها، وهي الجيش اللبناني.

بين كاريزما نعيم قاسم وكاريزما حسن نصرالله:

في خطابه الأول بعد حرب تموز 2006، أطلّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على جمهوره بشخصية البطل، المنقذ من العدوان الإسرائيلي، والفارض إيقاع التفاوض مع الأميركيين.

ما كان يتمتع به نصرالله هو قدرته على الوفاء بالوعود، فهو إذا قال فعل، وقد كرّس مدار عقود معادلة قوة الردع، التي لطالما تغنى بها الحزب، معتبرا أنها الضامن الحقيقي والوحيد لأيّ طمع اسرائيلي.

شخصية استثنائية تمتع بها الرجل، كاريزما لا حدود لها، يكفي أن يقول تهديدًا كي يُؤخذ على محمل الجد. انتظره اللبنانيون بكل مشاربهم وأحزابهم وطوائفهم لعقود طويلة، وحللوا كل كلمة قالها وكل نبرة استعملها، حتى أنهم حللوا ما لم يقله.

كاريزما لم يتمتع بها الشيخ نعيم قاسم حتى بعد توليه الأمانة العامة للحزب. فمنذ خطابه الأول، لم يستطع أحد أن يحمل تهديده على محمل الجد.

أما محاولاته المتكررة لتهديد أميركا وإسرائيل لم تعد تجدي نفعًا. الكل قالها له: اللعبة انتهت “Game over”يا شيخ نعيم، لماذا المكابرة؟ اعترفوا بهزيمتكم وتصالحوا مع الأمر الواقع، وجنبوا لبنان واللبنانيين الكثير من الدمار والخراب.

خطر تجدد الحرب على لبنان:

لم توقف إسرائيل غاراتها على لبنان منذ انتهاء الحرب، ولن توقف عدوانها حتى يسلّم حزب الله سلاحه. حقيقة يعرفها كل المسؤولين اللبنانيين، لذا يسرعون في خطواتهم لتجنب أي تجدد للحرب تكون كلفتها مدمّرة على كل اللبنانيين، وليس فقط على بيئة الحزب.

فما بناه حزب الله طيلة هذه العقود، دمرته إسرائيل بين ليلة وضحاها. معادلات توازن القوى انهارت، ولم يبقَ للحزب دور يلعبه، ولم يستطع حتى اليوم أن يتكيف مع الوضع الجديد أو أن يبحث عن دور جديد له في الداخل اللبناني، إذ ما زال يتصرف أنه الحزب الذي لا يستطيع أحد أن يسائله، والحزب الممتد من لبنان حتى اليمن.

هذه العقلية التي تضع الحزب في مأزق كبير، و بعيدًا عن الواقع، وهذه العقلية هي التي ستزج لبنان مجددًا في حرب جديدة مدمرة مع إسرائيل، التي بدورها لن تتنازل عن هدفها المعلن وهو تجريد الحزب من سلاحه مهما كلفها الأمر. الأمر التي برهنته في حربها على غزة، فمهما طالت الحرب أو كلفتها من ضحايا وأموال، ومهما قتلت من مدنيين عزل، ستبقى اسرائيل مستمرة حتى تحقيق كل أهدافها في غزة.

في السياق نفسه، تأتي زيارة الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، لتعطي الحزب معنويات وهمية، توهمه أنه قادر على المواجهات الكبرى، وأنّ ما حصل في الحرب الأخيرة إنما هو معركة من حرب وليست الحرب النهائية، غير أنّ لاريجاني نفسه أُعيد على المشهد السياسي الإيراني بهدف واحد وهو تجميع كروت القوة الإيرانية، بدءا من العراق وصولا إلى لبنان، لاستعمالها لاحقا في المفاوضات مع أميركا.

يقف اليوم الحزب على مفترق طرق، متفرجًا على خريطة شرق أوسطية تتغير بسرعة البرق. فسوريا، رئة المحور، انهارت، والعراق حيّد نفسه، أما إيران فمهما بدت أنها تساعده، فهي غير قادرة على ذلك، لأسباب تتعلق أولا بأمور لوجستية (انقطاع طرق امداد الحزب بالسلاح والمال)، وثانيا بتحديات جديدة ستخوضها مع الغرب والأميركيين. ومهما حاولت دعمه أو تعويمه، فهي لن تفلح، لأن ما كان سائدا قبل ٧ أكتوبر لم يعد نفسه بعده. أما داخليًا فالحزب يفقد حليفًا تلو الآخر، إذ أصبح أغلبية حلفائه اليوم غير مقتنعين به كمقاومة في المعادلة الجديدة، في حين يريد بعضا منهم مسايرته في هذه المرحلة طمعًا ببعض المكاسب الانتخابية في الانتخابات النيابية المقبلة.