سادت أجواء تشاؤمية أوساط معظم المراقبين والمحلّلين الغربيين المهتمين بالغزو الروسي لأوكرانيا، على خلفية القمّة التي جمعت الرئيس الأميركي ترامب ونظيره الروسي بوتين في ألاسكا يوم الجمعة، إذ صوّرت معظم وسائل الإعلام الغربية القمّة انتصارًا لبوتين وتراجعًا من قِبل ترامب ونكسة لأوكرانيا، بناء على عدة أسباب الكثير منها صحيح، غير أن بعض الوسائل الإعلامية الغربية الأخرى وبعض المحلّلين الغربيين الذي نهل من مدرسة الواقعية السياسية، ذهب في اتجاه آخر، معتبرًا أن مخرجات القمّة عكست ميزان القوّة العسكري، فضلًا عن أنها أحدثت بصيص نور، لو مهما كان صغيرًا، في نفق حرب أوكرانيا المُظلم، حيث قد تفتح المجال لوقف أو في الحدّ الأدنى تجميد التقدّم الروسي في الأراضي الأوكرانية.
لم تحدث "قمّة ألاسكا" أي خرق كبير على مستوى إنهاء الحرب في أوكرانيا، إلّا أن ترامب لم يكن يتوقع أصلًا أن تكون تلك القمّة حاسمة، إذ أكد قبل انعقادها أنها ستشكّل تمهيدًا لقمة ثلاثية تجمعه بالرئيس الأوكراني زيلينسكي وبوتين. وبالفعل، بعيد انتهاء محادثاته مع الرئيس الروسي، الذي لم يمض أكثر من خمس ساعات في ألاسكا، أكد ترامب أنه سيلتقي زيلينسكي في البيت الأبيض اليوم، لإجراء محادثات سيشارك فيها قادة أوروبّيون أيضًا، على أن يستتبع هذا اللقاء، في حال نجاحه، القمة الثلاثية، التي شدّد ترامب على أنه يسعى إلى أن تنتج تسوية نهائية للحرب، متخلّيًا بشكل صريح عن دعمه مطلب أوكرانيا والدول الأوروبّية بأن تسبق مفاوضات التسوية النهائية اتفاقية وقف لإطلاق النار تقي كييف شرّ التفاوض تحت النيران الروسية، الأمر الذي أثار انتقادات من الديمقراطيين والصحف الغربية.
كما تلقى ترامب الكثير من التعليقات السلبية بسبب إشارته خلال مقابلة تلفزيونية بعد لقائه بوتين إلى أنه لن يفرض العقوبات القاسية التي كان يتوعّد بها موسكو قبل القمّة، معتبرًا أنه "قد أضطرّ للتفكير في الأمر بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أو شيء من هذا القبيل، لكن ليس علينا التفكير في ذلك الآن". عبر تأجيله مسألة فرض عقوبات على موسكو وتخلّيه عن دعمه مطلب تحقيق وقف للنار قبل الشروع في مفاوضات سلام شاملة، اعتبر معارضو مقاربة ترامب للملف الأوكراني أن الرئيس الأميركي قد منح بوتين مبتغاه الرئيسي من حضور القمّة، وهو تخلّصه من الضغط الأميركي وتحسين علاقته بترامب التي توترت خلال الأسابيع القليلة الماضية، من دون وقف تقدّم الجيش الروسي في الميدان.
ولكن، لم يتراجع ترامب أمام بوتين إلى الحدّ الذي صوّره البعض، إذ جزم قبل القمّة بأنه لن يفتح المجال أمام تحسين العلاقات التجارية بين البلدين قبل تحقيق وقف للقتال في أوكرانيا، وفعلًا لم تفض القمّة إلى توقيع اتفاقات اقتصادية بين البلدين أو رفع قيود عن موسكو. كما أكد ترامب للمرّة الأولى خلال دردشة مع الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية أثناء توجّهه إلى ألاسكا أنه منفتح على مشاركة بلاده الأوروبّيين في ضمان أمن أوكرانيا ضمن إطار تسوية شاملة للنزاع، الأمر الذي كشف القادة الأوروبّيون الذين تحدّثوا مع ترامب هاتفيًا بعد لقائه بوتين أنه كرّره على مسامعهم خلال المكالمة. وكان لافتًا ما كشفه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في هذا الصدد أمس، إذ أبدى استعداد بلاده "لتقديم ضمانات أمنية بموجب "المادة الخامسة"، ولكن ليس من حلف "الناتو"، وإنما مباشرة من الولايات المتحدة ودولٍ أوروبّية أخرى"، في وقت رحّبت فيه رئيسة المفوضية الأوروبّية أورسولا فون دير لاين بعزم ترامب على "توفير ضمانات مشابهة للمادة الخامسة" من معاهدة "الناتو".
العائق أمام تحقيق الخرق الذي يتمناه ترامب في الملف الأوكراني يبقى بوتين، الذي كرّر مجدّدًا بأشكال مختلفة خلال القمّة وبعدها شروطه التعجيزية لإنهاء غزوه لأوكرانيا، إذ إن الرئيس الروسي مقتنع بأن لجيشه اليد الطولى في الميدان، خصوصًا بعد التقدّم المؤثر الذي حقّقه الروس أخيرًا في منطقة دونيتسك، ما يعني أنه من مصلحة موسكو استمرار القتال حتى تتمكّن من فرض رؤيتها للسلام على الغرب وكييف.
وبينما كشف ترامب بعد القمّة أنه تطرّق وبوتين إلى مسألة تبادل الأراضي بين موسكو وكييف، أفادت تقارير صحافية غربية بأن بوتين عرض خلال محادثاته مع ترامب أن تنسحب كييف بالكامل من منطقتي دونيتسك ولوغانسك في شرق أوكرانيا مقابل تعهّد روسي بتجميد الجبهة في منطقتي خيرسون وزابوريجيا في الجنوب، فضلًا عن انسحاب روسي من مساحات صغيرة نسبيًا من الأراضي التي احتلّتها في منطقتي سومي وخاركيف في شمال شرق أوكرانيا. وفيما تحدّث بوتين بعد القمّة عن قبوله مبدأ "ضمان" أمن أوكرانيا، كشفت تقارير صحافية أنه طرح أن تكون حليفته الصين أحد الضامنين.
إن صحّت تلك التقارير، من المتوقع أن يعرض ترامب مقترحات بوتين على زيلينسكي والقادة الأوروبّيين اليوم، لكن من غير المرجّح أن يقبل زيلينسكي بها، خصوصًا من دون حصول بلاده في المقابل على ضمانات أمنية جدّية وملموسة. ومن الصعب جدًا أن يقبل بانسحاب جيشه من مناطق لم تحتلّها روسيا في دونيتسك، التي تشكّل بنية دفاعية أساسية لأوكرانيا لمنع الهجمات الروسية في عمق أراضيها. وأكد زيلينسكي أمس أن الخطوط الأمامية الحالية يجب أن تكون أساسًا لمحادثات السلام، مشيرًا إلى أن القادة الأوروبيين يؤيدون ذلك. وتمسّك بموقفه بأنه من الضروري وقف إطلاق النار من أجل التفاوض بعد ذلك على اتفاق نهائي.
وقد شرح "معهد دراسة الحرب" أن انسحاب قوات كييف بالكامل من دونيتسك "سيجبر أوكرانيا على التخلّي عن "حزام الحصن"، وهو خطّها الدفاعي المحصّن الرئيسي في دونيتسك منذ عام 2014، من دون أي ضمان بألا تُستأنف المعارك لاحقًا"، موضحًا أن "أوكرانيا أمضت السنوات الـ11 الماضية وهي تستثمر الوقت والمال والجهد في تحصين "حزام الحصن"، وبناء بنية تحتية صناعية دفاعية وعسكرية مهمّة داخل المدن وحولها".
أدّت ضغوط ترامب إلى تكثيف الدول الأوروبّية دعمها لكييف بشكل لافت، خصوصًا من خلال اتفاق برعاية ترامب بين حلف "الناتو" وواشنطن يقضي بشراء دول أعضاء في الحلف السلاح الأميركي وإرساله إلى أوكرانيا. حتى الآن، قدّمت كلّ من ألمانيا وهولندا 500 مليون دولار من أجل ذلك، كما قدّمت الدنمارك والنرويج والسويد بشكل مشترك 500 مليون دولار، في حين تقود بريطانيا وفرنسا "تحالف الراغبين" الذي من شأنه أن ينشر قوات حفظ سلام في أوكرانيا كجزء من الضمانات الأمنية لكييف في إطار التسوية الشاملة، الأمر الذي ترفضه موسكو بشكل قاطع.
على الرغم من التشاؤم المنطقي لغالبية المحلّلين الغربيين من "قمّة ألاسكا" وتبعاتها، يرى المحلّلون الغربيون الواقعيون أن ترامب يحاول بشتى الطرق عدم قطع "شعرة معاوية" مع بوتين، لأن ذلك قد يؤدّي إلى جرّ أميركا إلى مواجهة خطرة مع روسيا وسيقضي على أي احتمال لتحقيق السلام. لذا، يُفضّل ترامب الاستمرار في محاولة تقريب وجهات النظر بين بوتين وزيلينسكي علّه يصل إلى وقف الحرب، ولو موَقتًا، لأن ذلك سيكبح زخم تقدّم قوات موسكو في الأراضي الأوكرانية، فضلًا عن المحافظة على حياة المدنيين الأوكرانيين الذين يدفعون "فاتورة الدم" كلّ ليلة من جرّاء المسيّرات والصواريخ الروسية. في نهاية المطاف، إن رأى زيلينسكي أن الضمانات الأميركية - الأوروبّية كافية، سيسمح له ذلك بتقديم تنازلات من دون أن يخشى تصويره كخائن لبلاده.