شربل صيّاح

ايه… والحلّ؟

4 دقائق للقراءة

في الشّرق الأوسط ، لا يبدو الحاضر إلّا مرآة للتاريخ، حيث تتكرر الصراعات بأشكال مختلفة لكن بجوهر واحد: صراع الهويات.


تصريح بنيامين نتنياهو مثلاً، عن “حلمه” الأزلي بإسرائيل الكبرى ليس سوى تذكير بأن المشاريع العقائدية المبنيّة على الخوف الوجودي، والتي هي نتيجة سوء العلاقة مع العائلات الروحية الأخرى، لا تموت مع الزمن، بل تجدّد نفسها مع كل منعطف سياسي، ناهيك عن واقعية الطرح. غير أن ما يضاعف خطورة هذا المشهد هو عجز الدول الشرق أوسطية عن بناء صيغ حكم تستوعب التعددية وتحولها من عامل تهديد إلى درع للاستقرار.


تتجلى أزمة السويداء اليوم كصورة مصغّرة عن مأزق الدولة المركزية في سوريا والمنطقة، حيث تُقام العلاقة بين حكم الشرع والسويداء إما بمنطق الإلغاء أو بمنطق الاحتواء القسري، بينما يبقى الاعتراف الجاد بها مؤجَّلاً أو مشوَّهاً. هذه الأزمة ليست معزولة عن التاريخ، بل هي امتداد لمسار طويل من صراع القوميات وتنافس المشاريع العقائدية التي لم تدرك أن استقرار المشرق لا يكمن في أحاديته، بل في تعدديته.


منذ بدايات القرن العشرين، تنازعت المشاريع القومية على رسم مستقبل المنطقة: القومية السورية عند أنطوان سعادة في مواجهة القومية العربية، الناصرية في مواجهة البعثية، ثم إسرائيل كقومية أقلويّة في مواجهتها. وعندما جرت في لبنان محاولة تكريس قومية لبنانية، سرعان ما اكتشفت النخب المسيحية مأساوية الصدام بين قوميات متوازية، فكان الاتجاه – على مستوى الخطاب بعد خلوة سيدة البير عام ١٩٧٧ – نحو التعددية.


غير أن التجربة اللبنانية كشفت عن إشكالية جوهرية: فكلما وصل أحد رموز النخب المسيحية إلى السلطة، تخلى عن مشروع التعددية لصالح عقد اجتماعي مركزي، معتمداً على المؤسسات والدستور، متناسياً أن العقد الاجتماعي في المشرق هو عقد معنوي قبل أن يكون مؤسساتي ، وأن الشرعية لا تُستمد فقط من النصوص، بل من القدرة على صياغة اعتراف متبادل بالخصوصيات، ولو بالقوة.


السويداء بين ثلاثة خيارات

على هذه الخلفية، يجد الدروز في السويداء أنفسهم أمام خيارات ثلاثة:

• إمّا الإبادة أو التهجير القسري، وهو احتمال ماثل في ظل هشاشة الدولة وتاريخها الدموي في إدارة التنوع.


• إمّا التقسيم بضمانات دولية، وهو خيار محفوف بالمخاطر، لأن الضمانات الخارجية أثبتت في التجربة اللبنانية، خصوصاً المسيحية، أنها مؤقتة ومرتبطة بموازين القوى المتغيرة.


• إمّا الفدرالية، وهي الخيار الأكثر واقعية، إذ تتيح الاعتراف بالخصوصيات ضمن إطار مواطن جامع، تحوّل التعددية من تهديد إلى مصدر استقرار.


فالفدرالية ليست دعوة إلى التّقسيم، بل صيغة عقلانية لإدارة التعددية، تقوم على قوننة الخصوصيات دستورياً ضمن إطار دولة واحدة. هي صيغة تحفظ الانتماء المواطني، أي للدولة بعيداً عن النوستالجيا والسرديات الوطنية المختلفة، وتؤمّن إدارة ذاتية متوازنة، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل لا على الإقصاء والفرض. بهذا المعنى، تكون الفدرالية ليست مجرد آلية للحكم، بل مشروع للسلم الأهلي والاستقرار السياسي.


وسط المتغيرات الراديكالية، تقف دول الشرق الأوسط أمام لحظة حاسمة: إما أن يواصل الدوران في حلقة الصراع بين أكثريات منقسمة وأقليات متوجسة، أو أن تنتقل إلى صياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف الإداري والسياسي المتبادل ضمن إطار الدولة الواحدة، أعني بها الفدرالية. تجربة المسيحيين في لبنان، وما كشفته من قصور بين الخطاب والممارسة، تؤكد أن الحل لا يكمن في مؤسسات مركزية جامدة، بل في إعادة تعريف العقد الاجتماعي بوصفه التزامًا معنوياً قبل أن يكون نصًا دستوريًا.


على مفترق الطرق

نجد أنفسنا اليوم أمام السؤال عينه، و أعتقد أن الأمر بات مزعجاً للرأي العام ولي شخصياً: هل سننتظر مجدّداً بطلًا خارقًا، يأسرنا بكاريزمته ووعوده الزاهية، ويعيدنا دون وعي إلى دوائر النزاع والصراعات الماضية؟

أم أننا سنتعلم أخيراً الدرس، ونتجه نحو تمكين المؤسسات، حيث يصبح البطل الحقيقي ليس الشخصية الفردية التّي تطلق خطابات الحفاظ على الوجود، بل كل موظّف في النظام اللّامركزي، الملتزم بالقانون وبأصوله، والذي يضمن عبر ممارسته اليومية احترام التعددية وتحويلها من مصدر انقسام إلى قاعدة للاستقرار؟


فالسلام في الشرق الأوسط لن يُهدى من الخارج، ولن يُصنع بقرارات فوقية، بل يولد حين تقرر المجتمعات أن تكتب عقدها الإجتماعي بنفسها: عقداً يعترف بالآخر كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. عندها فقط، يمكن للتاريخ أن يتوقف عن الدوران في حلقة مفرغة، ويبدأ مساره نحو أفق جديد، نحو إنسانٍ جديد.