إستال خليل

تحية فنّ ووفاء للأسطورة

"إيّام اللّولو" يُعيد صباح إلى المسرح

8 دقائق للقراءة

تعود الشحرورة صباح (1927 - 2014) إلى "كازينو لبنان" مساء 23 آب الجاري، من خلال عرض "إيّام اللّولو" الذي يجمع بين التكريم الفنّي والحنين الصادق إلى زمن جميل، بمشاركة مجموعة من الفنانين سيحملون إلى الجمهور الإرث الغنائي الذي تركته صباح، بروح معاصرة وتقدير مستحقّ لسيّدة الأغنية الشعبيّة اللبنانيّة ونجمة المسرح الاستعراضي.



"يشرّفني أن أؤدّي دورًا تكريميًّا للشحرورة صباح، وأن أستعيد أغنياتها، وأجسّد شخصيّتها"، بهذه الكلمات تعبّر الفنّانة ألين لحّود عن اعتزازها العميق بالمشاركة في العرض المسرحيّ "إيّام اللّولو". وتؤكّد لـ "نداء الوطن" أنّ "صباح علّمتنا القوّة والجرأة والتحدّي، وكيفيّة التغلّب على العقبات. فرضت نفسها ونجحت، وكانت سبّاقة في عصرها رغم القيود الاجتماعية التي كانت مفروضة على المرأة في ذلك الزمن".


لحّود من الفنانات اللواتي حظين بمعاصرة مرحلة من الحياة المديدة للشحرورة في عالم الفنّ، قبل أن تغيب عن عالمنا يوم 26 تشرين الثاني 2014. "كان لي شرف اللقاء بها والتعرّف على الجانب الإنساني لهذه النجمة"، تقول الفنانة التي تنحدر هي الأخرى من أسرة أعطت الأغنية والمسرح اللبنانيَّين الكثير. وتتابع: "كلّ يوم أتعلّم الكثير من صباح وسيرتها. قصّتها مُلهمة، نضالها نموذج، ونجاحها ظاهرة لن تتكرّر. والعمل الذي نحن اليوم بصدده، يحمّلني مشاعر عاطفية عميقة، إلى جانب رهبة مهنيّة كبيرة. فمذ علمتُ أنني سأرتدي ملابسها وأقف على المسرح لأكرّمها، شعرتُ بثقل المسؤولية".


أقدّمها بهويّتي

وأوضحت ألين لحّود أنّ المطلوب منها ليس تقليد صباح، "خصوصًا بوجود الفنان باسم فغالي الذي يُجيد تقليدها بإتقان. لكن سأقدّم الأغنيات التي نشأتُ عليها، بصوتي وأدائي مع الحفاظ على هويّتي الفنية. وربّما تكون هناك مفاجآت بسيطة بين كلّ أغنية وأخرى". وعن الاستعداد لهذا المشروع المسرحيّ الكبير، توضح لحّود: "رغم أنني متابعة وفيَّة لصباح وأعرف معظم أرشيفها، لكنّني عدتُ لمراجعة تفاصيل أدائها، حركاتها، تفاعلها مع الناس، وقربها منهم".



تشير لحّود إلى كون أغنية "قلعة كبيري وقلبها كبير" هي الأقرب إلى قلبها، لأنها تحرّك فيها مشاعر الطفولة: "أتذكّر أنّنا كنّا في الجزائر خلال جولة فنّية لوالدتي (الفنانة سلوى القطريب)، وكنت في "قلعة بني حمّاد" حين علّمني والدي (المنتج ناهي لحّود) هذه الأغنية، ورقصتُ عليها وأنا طفلة. كما أنّ هذه الأغنية كانت جزءًا من مسرحيّة "القلعة" التي أطلقَت مسيرة عمّي الفنان روميو لحّود في مجال المسرح الغنائي".


لحّود تمنّت أن يصل عرض "إيّام اللّولو" إلى جمهور واسع في لبنان والعالم العربي، مؤكّدةً أنّ "صباح ليست فنانة لبنانيّة فقط، بل عربيّة وعالميّة، وكانت الفنّانة العربيّة الثانية بعد أم كلثوم التي غنّت على "مسرح الأولمبيا" الفرنسي الشهير، ضمن استعراض أعدّه روميو لحود. والعرض الذي سنقدّمه يكرّم هذه السيّدة إنسانيًا وفنيًا، ويروي مراحل من حياتها، من النجاحات إلى الانكسارات، ومن الفرح إلى الألم، ومن الفن إلى الوطنيّة".


وعن التصريح الذي سبق أن أدلت به وأثار الجدل، حين قالت إنّ الفنانة سلوى القطريب أهمّ من الفنانة صباح، أوضحت ألين لحّود في حديثها معنا أنّ "سلوى هي والدتي، ولا أحد أغلى من الأم. من الطبيعي أن أراها أعظم إنسانة وفنانة. لم أخجل من هذا الرأي، ولا أراه يقلّل من قيمة صباح التي تبقى فنانة عظيمة لا تحتاج شهادة أحد".


المسرح مساحة حيّة

من ناحية أخرى، تعرف الفنانة ألين لحّود التي خاضت المسرح الغنائي في أكثر من عمل، قيمة هذا النمط الفنّي تمامًا، وتقول: "لا شيء يضاهيه حتى في ظلّ التطوّر التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل. المسرح يبقى مساحة حيّة فيها تواصل مباشر مع الجمهور، ويجمع كلّ الفنون من موسيقى، ورقص، وغناء، وتعبير. إنه حاجة ثقافية ينبغي أن نحافظ عليها، وننقلها إلى الجيل الجديد". وتختم قائلةً: "أنا محظوظة أنّ جميع إطلالاتي المسرحيّة كانت ضمن أعمال ضخمة: من "الأندلس جوهرة العالم" للياس الرحباني، إلى "أوبرا الضيعة" مع كركلا، و "أرض الغجر" لغدي الرحباني، و "بنت الجبل" مع روميو لحّود، وصولًا إلى "مهرجانات بعلبك". أشكر كلّ من منحني هذه الفرص، وآمل أن أواصل تكريم الكبار من خلال أعمال تليق بقيمتهم الفنية والإنسانية".


صباح في وجدان باسم

عرض "إيّام اللّولو" يشهد أيضًا إطلالة مميّزة لـ "الظاهرة الفنّية" باسم فغالي الذي قال لـ "نداء الوطن" إنّ هذا العمل يأتي ضمن سلسلة من العروض والتكريمات التي بدأ بتقديمها منذ فترة، شارحًا: "بدأنا بتكريم داليدا من خلال عمل "Mourir sur scène"، واليوم نكرّم الشحرورة صباح في "إيّام اللّولو"، وسنواصل لاحقًا تكريم أسماء كبيرة في عالم الفن. هذا النَّوع الراقي من الأعمال هو ما يجذبني، خصوصًا حين يتجسّد التكريم على خشبة المسرح". ويوضح فغالي: "هناك دائمًا طريقة لتكريم الكبار، وهناك أيضًا مساحة للمزاح، وسأحاول المزج بين الأمرَين لإسعاد الحاضرين وإضفاء لمسة خاصة على العرض".


يستعيد فغالي العلاقة التي جمعته بالفنانة الكبيرة، فيقول: "تربطني بها مشاعر كثيرة. أوّلًا، نحن من نفس العائلة والقرية، وكنتُ من أشدّ المعجبين بأعمالها. وعندما بدأت شهرتي بالتصاعد، أصبحنا أصدقاء من خلال اللقاءات والحفلات الفنية. أعتبرها أهمّ وأجمل نجمة مرّت في الشرق، ونجاحها ظاهرة فنيّة فريدة. ففي الكاريزما هي لا تشبه أحدًا، حضور قوي، ذكاء، موهبة صوتيّة، أناقة، وخفة ظل. تلك الصفات النادرة اجتمعت في شخص واحد".


تحدّيات التحضيرات

ينفي باسم فغالي أن يكون قد واجه تحدّيات فعليّة خلال التحضير لهذا العرض الفنّي، "لأنّ صباح في وجداني، وأنا متعمّق في تفاصيل أعمالها". ولدى سؤاله عن كيفية حفاظه على بصمته الخاصة ضمن إطار العمل، أجاب ضاحكًا: "بصمتي منّي وفيّي… وسأتركها مفاجأة للجمهور. كلّ ما فكّرت فيه أثناء التحضير للدَّور هو أن أُظهر عظمة فن صباح، وأن أنقل حضورها بأجمل صورة، والرسالة التي أسعى لإيصالها من خلال هذا الدَّور هي دائمًا رسالة حلم وفرح. وأنا لست غريبًا عن المسرح، فهذا ربّما رابع أو خامس عمل أقدّمه على الخشبة".


ولا ينسى فغالي الإشارة إلى أنّ أكثر ما أسعده هو "العمل تحت إشراف المبدع روي خوري"، مؤكّدًا أنّ المسرح اليوم لا يزال قادرًا على المحافظة على جمهوره، خصوصًا مع عروض تحمل طابع الحنين وتكرّم الذاكرة الفنية اللبنانية مثل "إيّام اللّولو"، فالمضمون الجميل ينجح في جذب الجمهور".

 


تحدٍ جميل

الفنانة ساندي مطر عبّرت من جهتها عن سعادتها بالمشاركة في عرض "إيّام اللّولو". "شرف كبير لي أن أكون ضمن عمل يكرّم الشحرورة صباح، لأنها بالنسبة لي أيقونة حقيقية مثّلت لبنان في الداخل والخارج، وأنا أحبّها كثيرًا، وسعيدة جدًا بكوني جزءًا من هذا العمل"، تقول مطر لـ "نداء الوطن".


وعمّا ستقدّمه في العرض، أوضحت مطر أنها ستؤدّي أغنيات من الطرب الشعبي لصباح بأسلوب شرقيّ وملابس تقليدية، مضيفةً: المسؤوليّة الملقاة على عاتقي كبيرة بمجرّد اختياري للمشاركة في هذا العمل، رغم كوني معروفة أكثر بأدائي الغربي. لكنني اعتبرت الأمر تحدّيًا جميلًا، وأردت إيصال صورة صباح بأفضل طريقة وبكل مسؤوليّة وجدّية".



المغنّية ساندي مطر لفتت إلى أنّ هذا العرض كان من المفترض تقديمه في شهر تشرين الثاني الماضي، لكنه تأجّل بسبب الأوضاع الأمنية والسياسية، مشيرةً إلى أنّ "هذا التأجيل منحني وقتًا إضافيًا للتحضير، لكنه زاد من رهبة الوقوف على المسرح". وختمت حديثها بالتعبير عن سعادتها بالتعاون مع كلّ فريق عمل "إيّام اللّولو"، لا سيّما مع الفنانَين ألين لحّود وباسم فغالي والمايسترو إيلي العليا الذي سيقود الفرقة الموسيقيّة.


* "إيّام اللّولو"، مع ألين لحّود، باسم فغالي، وساندي مطر. الفرقة الموسيقيّة بقيادة إيلي العليا، إنتاج PIPELINE، إخراج روي خوري. السبت 23 آب 2025، "صالة السفراء" في "كازينو لبنان"، الساعة 9:30 مساءً.



مشاريع مقبلة

صيف الفنانة ألين لحّود لا يزال مزدحمًا بالحفلات والمهرجانات والمناسبات الخاصة، في لبنان كما خارجه. ومن جديدها أيضًا تعاون مع الفنان يوسف الخال الذي صوّرت معه مسلسل "الطائر المكسور" قبل 17 عامًا، وكان ختامه مع قصيدة "النصف" من كلمات والدة الخال، الشاعرة الراحلة مها بيرقدار. القصيدة التي لحّنها الخال سُجّلت أخيرًا بمشاركة أوركسترا فيلهارمونية، وتغنّيها لحّود تنفيذًا لوصيّة تركتها بيرقدار قبل غيابها.

أما الفنان باسم فغالي فَصَوّر من جهته أعمالًا عدّة ستصدر قريبًا، وهو، على ما يقول، في حالة بحث دائمة عن كلّ جديد ومختلف مع الحفاظ على ما يليق به فنّيًا.

وبينما لا تزال الفنانة ساندي مطر تتلقّى أصداء إيجابيّة حول أغنيتها الجديدة "جنّيت" (كلمات جورج صيّاح - ألحان مصطفى مطر)، وتصفها بالعصريّة، تواصل تعاونها الفنّي مع الفنان سليم عساف والمشاركة في عدد من المهرجانات الصيفية. كذلك تعمل حاليًا على مشروع فني بمفهوم جديد، ستكون المغنّية الأساسيّة فيه، آمِلةً أن يلقى صدًى إيجابيًا لدى الجمهور. مطر المعجبة بالفنانة جوليا بطرس، تتمنّى أن يجمعها عمل بالفنان مروان خوري.



ملصق العرض