الدكتور سايد حرقص

كربلاء أم حرب أهلية؟ قراءة في خطاب الشيخ نعيم قاسم

7 دقائق للقراءة

لم تكن كلمة الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، في 15 آب 2025، مجرد خطاب تعبوي- حزبي عابر، بل حملت دلالات خطيرة حين أعلن: "لن نسلم سلاح المقاومة… وسنخوض معركة كربلائية إذا لزم الأمر في مواجهة هذا المشروع الإسرائيلي–الأميركي مهما كلفنا". وربط قاسم هذا التصعيد برمز كربلاء وموقف الإمام الحسين قائلاً: "كربلاء هي مدرسة العشق الإلهي... وكل يوم عاشوراء وكل أرض هي كربلاء جديدة، حيث نعيش المبادئ نفسها من حب لله وتضحية في سبيل الحق". ثم ذهب أبعد من ذلك مهدداً اللبنانيين جميعاً، دولة وشعبا وجيشا، بقوله: "لن تكون هناك حياة في لبنان إذا حاولتم مواجهتنا ..."، مضيفاً أن "الحكومة اللبنانية تتحمل المسؤولية الكاملة عن أي فتنة داخلية وأي خراب للبنان".



تعود أحداث كربلاء حسب الموروثات الشيعية إلى العام 61 هـ (680 م)، حين خرج الإمام الحسين بن علي رافضاً بيعة يزيد بن معاوية، ورفع شعار "هيهات منا الذلة" في مواجهة سلطة اعتبرها جائرة وفاسدة. انتهت الواقعة في صحراء كربلاء بمجزرة مروّعة قُتل فيها الإمام الحسين إبن الإمام علي وحفيد النبي محمد وأهل بيته وأصحابه، وسُبيت النساء والأطفال، لتتحول الحادثة إلى رمز أبدي لصراع الدم الطاهر في مواجهة السيف الغاشم. ومنذ ذلك الحين، لم تعد كربلاء مجرد ذكرى دينية، بل مشروعاً ثقافياً وسياسياً وعاطفيا متجدداً، وُظِّف شعار "انتصار الدم على السيف" عبر التاريخ كإطار تعبوي للثورات ولمواجهة أي سلطة تُعتبر ظالمة.



لم يتوقف تأثير كربلاء عند حدود الطقوس والبكاء واللطم، بل تحولت إلى طاقة ثورية انفجرت في ثورة المختار الثقفي بالكوفة سنة 685 م، حين رفع شعار "يا لثارات الحسين". استطاع المختار الثقفي أن يجمع جمهوراً واسعاً من الساخطين، فانتقم من قتلة الحسين، ورسّخ في الوعي الشيعي أن كل "كربلاء" تستدعي ثورة، وأن دماء الشهداء يمكن أن تتحول إلى مشروع تغييري سياسي وعسكري.



في العصر الحديث، استعادت هذه الرمزية قوتها مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حين اعتبر الإمام الخميني أن الثورة امتداد تاريخي لمعركة كربلاء، وأن عاشوراء ليست مجرد ذكرى بل مدرسة عقائدية دائمة. وقد تبنّى حزب الله هذا الخطاب في لبنان، حتى صار شعار "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" ركناً أساسياً في بنيته الأيديولوجية والسياسية.



اليوم، حين يتحدث الشيخ نعيم قاسم عن "كربلاء جديدة"، فهو لا يكتفي باستدعاء رمز ديني، بل يضع لبنان في إطار معركة وجودية تُقسم الناس بين "حسين ويزيد"، بين "شهداء وأعداء". وكأن الوطن لم يعد مساحة جامعة بل مجرد ساحة صراع أبدي وطلب ثأر لا ينتهي. وهنا يطرح السؤال: هل أصبح اللبنانيون الذين احتضنوا النازحين خلال حروب الجنوب هم الأعداء اليوم؟ هل الجيش الذي أسعف الضحايا وحمى المدنيين صار خصماً؟ وهل هكذا أوصى الإمام الحسين؟ وهل هكذا أوصى الإمام علي؟ هل هكذا أوصى الإمام موسى الصدر؟ هل هكذا أوصى المرجع محمد حسين فضل لله؟ أم أن المصالح السياسية الإيرانية اليوم صارت أسمى من كل القيم لتُسخّر المقدسات والدماء في خدمتها؟



تصريحات قاسم لم تمر مرور الكرام، إذ أثارت موجة استنكار واسعة. فقد اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن الخطاب "تهديد مبطن بالحرب الأهلية، ولا يحق لأي حزب أن يحتفظ بالسلاح خارج سلطة الدولة". أما النائب غياث يزبك فقال: "لا تهددنا بالكربلائية… نحن في خضم مقتلة عامة، ولا علاقة للعدمية القاتلة التي زُجّ بلبنان فيها بالفعل الكربلائي. ارحموا البيئة الحاضنة الشهيدة وارحموا لبنان". فيما حذر النائب أشرف ريفي من استدعاء خطاب الحرب الأهلية، مؤكداً: "الحل هو الدولة ثم الدولة ثم الدولة".



المفارقة أن شعار "انتصار الدم على السيف" الذي يُفترض أن يكون رمزاً للعدالة في الوجدان الديني، تحوّل اليوم في لبنان إلى تهديد بالحرب الداخلية أكثر منه طمأنة أو حافزاً للمقاومة. فالتاريخ يعلّمنا أن كربلاء كانت قبل كل شيء مجزرة، وأن "الثأر" الذي أعقبها لم ينهِ الانقسام، بل زاده اشتعالاً وحوّل المنطقة إلى ساحة ثورات وحروب ومجازر متواصلة.



وهنا تبرز تساؤلات أكثر إلحاحاً: هل المطلوب أن يقتل اللبنانيون بعضهم البعض؟ خدمة لمن؟ هل المطلوب أن ننسى إسرائيل ونغرق في دماء داخلية؟ ألم يسمح اللبنانيون، عن اقتناع أو عن عجز، لحزب الله بجر البلاد إلى حروب لم تكن نتائجها سوى كوارث؟ ألم يكتشف اللبنانيون أن اختراق إسرائيل لحزب الله وصل إلى العظم؟ فهل اللبنانيون هم من اشترى وفحص "البيجر" المفخخ؟ هل اللبنانيون هم من دلّ على مكان السيد حسن نصرالله وبقية قادة الحزب؟ أم أن الحزب ومن ورائه إيران وأجهزتها الأمنية والاستخباراتية هم من يتحمّل مسؤولية الفساد والاختراقات التي أودت بحياة قادة حزب الله وكوادره؟ لماذا إذاً الإصرار على تحميل الغير مسؤولية الفشل؟ فإن كان المطلوب ثورة كربلائية فيجب أن توجه الى الفساد في قيادة وهيكلية حزب الله قبل أي جهة أخرى.



من هنا، فإن تبشير الشيخ نعيم قاسم بـ"كربلاء جديدة" في بلد متنوع طائفياً وثقافياً، يمر بانهيار اقتصادي وسياسي غير مسبوق، لا يعني سوى فتح الباب أمام مجازر جديدة وفوضى لن ترحم عقباها أحدا. فكربلاء اللبنانية الحقيقية والعادلة يجب أن توجه الى حزب الله اولا وايران ثانيا لمعرفة المسبب الاساسي للاختراق الإسرائيلي وأسماء العملاء الذين ساهموا في الهزيمة وأي مطالبة بـ "كربلاء لبنانية" أخرى لن تكون مواجهة بين "الخير والشر" كما يصوّرها الخطاب العقائدي، بل ستكون اقتتالاً داخلياً بين ميليشيا "حزب الله" والجيش والشعب اللبناني، يطيح بما تبقّى من الدولة ويضع لبنان على حافة المجهول.



إن استدعاء التاريخ إلى الحاضر هو سلاح ذو حدّين: قد يكون دافعاً للمقاومة في وجه الظلم عند بعض فئات المجتمع، لكنه يتحوّل إلى لعنة حين يُستعمل لإعادة إنتاج المآسي. وإذا كان الإمام الحسين قد قدّم نفسه قرباناً من أجل "العدل والحق"، فإن ما تلا استشهاده من صراعات ومجازر فتح أبواب نهر الدم لعقود طويلة من الزمن، وحوّل الذكرى إلى ميدان للانتقام المتبادل بدل أن تكون منارة للحرية.



فهل كتب على لبنان أن يبقى أسيراً لدورة المذابح المتكررة على أرضه وبين أبنائه؟ أم أن الحكمة تقتضي أن نبحث عن طريق آخر يحول دون الغرق في بحيرة دماء جديدة؟

لقد أثبت التاريخ اللبناني الحديث أن حلم اي مكون لبناني بالالتحاق بأوهام الامبرطوريات الدينية او القومية لم يجر عليه وعلى لبنان الا الدمار والموت والتهجير وأن التلاقي والحوار لإيجاد عقد إجتماعي حقيقي، ممكن، بل وضروري: فالمسيحيون والسنّة والدروز لم يترددوا في احتضان النازحين الشيعة خلال حروب الجنوب، وتقاسموا معهم الخوف والمأساة والخطر والمسكن والخبز، بمحبة وتضامن. فكيف يمكن لمن ذاق معنى الأخوّة في لحظة الخطر أن ينقلب إلى عدو في لحظة التعبئة؟ هل المطلوب يا شيخ نعيم، أن ندمر بلادنا من أجل سلاح أثبت في ساحة الحرب الحقيقية وبالدليل القاطع أنه لا يرقى لمستوى توازن الرعب المطلوب مع العدو وبدل أن يحمي هجر وبدل أن يبني دمر؟



إننا نعيد التذكير، لأن التكرار قد يوقظ الضمائر المخدَّرة بالغضب: هل أوصى الإمام الحسين بهذا؟ هل أوصى الإمام علي بتمزيق الأمة؟ هل دعا السيد موسى الصدر إلى غير وحدة اللبنانيين وتحصينهم ضد الفتنة؟ وهل بشّر العلامة محمد حسين فضل الله إلا بنبذ الكراهية وإعلاء قيم العدالة والرحمة؟



إنها أسئلة تضعنا أمام خيار مصيري: إما أن نستلهم التاريخ كقوة بناء، أو نُعيد تدويره كآلة هدم تأكل أبناءها بلا رحمة.