في خضمّ الجدل السياسي المتصاعد في لبنان حول سلاح "حزب اللّه"، تعود معركة كربلاء إلى واجهة الخطاب، لا كحادثة تاريخية فحسب، بل كرمز يُستحضر لتبرير الموقف . غير أنّ إسقاط هذه المعركة، على واقع لبنان اليوم، يثير سجالًا حادًا بين من يراها مصدر إلهام للمقاومة، ومن يعتبر توظيفها في السياق الحالي استغلالًا دينيًا لشرعنة خيارات سياسية وعسكرية خطيرة.
كربلاء: رمز للحق بنتائج كارثية
يعتبر الباحث في التاريخ والخبير في الشؤون الاستراتيجية، الدكتور عماد مراد، في حديث لـ"نداء الوطن"، أن معركة كربلاء تمثّل رمزًا للتضحية في سبيل الحق ولمواجهة الظلم، مشيرًا إلى أن الإمام الحسين خاضها من موقع القيادة والشجاعة والإيمان بالقضية.
غير أنّ مراد يحذر من قراءة كربلاء خارج سياقها الزمني والديني، مؤكدًا أن نتائجها كانت كارثية على الشيعة من الناحية السياسية والعسكرية. فقد أسفرت عن مقتل الإمام الحسين وأتباعه، وترك جثثهم في أرض المعركة من دون دفن، ما يجعلها في نظره "نقطة سوداء" في تاريخ الشيعة، رغم بعدها الرمزي العميق.
خطاب "المعركة الكربلائية"
من جانب آخر، يرى بعض المؤرخين أنّ الأمين العام لـ "حزب اللّه"، نعيم قاسم، يستلهم كربلاء من منطلق الاستعداد للتضحية والصبر على الحصار والمعاناة. فقد أعلن في أكثر من مناسبة أنّ أيّ محاولة لنزع سلاح "الحزب" ستُواجَه بـ "معركة كربلائية"، ما يعكس قراءة عقائدية للواقع السياسي والأمني في لبنان. لكن هذه المقاربة تثير تساؤلات، خاصة مع تعرّض الشيعة إلى التهجير والقتل في الحرب التي انخرط فيها "الحزب"، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة البيئة الشيعية على تحمّل مزيد من الخسائر في ظلّ استمرار هذه الرؤية.
كربلاء الحقيقية لا تُفرض على الناس
وفي السياق، يقدّم النائب أنطوان حبشي في حديث لـ"نداء الوطن" قراءةً للرمزية الكربلائية. فبحسب حبشي، يكمن جوهر كربلاء في الدفاع عن المظلوم ورفض فرض الموت على الآخرين. ويستشهد بموقف الإمام الحسين الذي قال لأتباعه: "من يريد منكم أن يغادر أرض المعركة، فليغادر"، معطيًا بذلك حرية القرار. وقال حبشي: "إذا كان "حزب اللّه" ونعيم قاسم يريدان الانتحار، فنحن كلبنانيين لا نريد ذلك".
أما "حزب اللّه"، وفق حبشي، فـ "يُلزم الجميع بخوض معركة لا يريدونها"، ويتعامل مع معركة كربلاء كغطاء لعقيدة فرضية، لا خيارية، ما يناقض فلسفة الحسين، الذي سمح لأصحابه بالانسحاب ولم يُجبرهم على القتال.
"حزب اللّه"... وازدواجية الموقف
يطرح حبشي تساؤلات حول ازدواجية تعاطي "حزب اللّه" مع مسألة السلاح والدولة. فحين وافق على ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، لم يعلن "معركة كربلائية"، رغم أنّ الاتفاق تمّ بوساطة أميركية. وحين أقرّ التفاهم الذي أدّى إلى وقف إطلاق النار، وافق وزراء "حزب اللّه" ضمن الحكومة اللبنانية من دون اعتراض.
وفي المقابل، حين يُطرح موضوع نزع السلاح غير الشرعي، يُصنّف مباشرة كـ "ورقة أميركية" ويُستحضر خطاب كربلاء، ما يعكس، بحسب حبشي، تعاطيًا انتقائيًا يهدف إلى الحفاظ على سلاح "الحزب" لا على مصلحة لبنان.
ترهيبٌ داخلي وتحريرٌ معلّق
يشير حبشي إلى أنّ السلاح، بدل أن يُستخدم لتحرير الأرض، استُخدم في الداخل، وتحديدًا في أحداث 7 أيار، لترهيب اللبنانيين وإخضاعهم، بعيدًا من أي أفق لتحرير فلسطين أو نصرة المظلومين كما في كربلاء.
ويضيف أنّ قرار الحكومة اللبنانية، اتّخذ بالإجماع لحصر السلاح بيد الدولة بمعارضة فقط وزراء "الحزب"، لذا يسقط هذا التصرّف عن "حزب اللّه" صفة المظلوم، ويضعه في موقع الجلّاد، متهمًا "الحزب" بتجاوز حدوده وفرض واقع أمني على اللبنانيين يناقض مفهوم الدولة.