زائدة الكنج الدندشي

من "ألف ليلة وليلة" إلى خوارزميات "تيك توك"... هل انتهى زمن الحكاية؟

3 دقائق للقراءة
الخوارزميات تقتل الحكاية؟

في سالف الأزمان، كانت شهرزاد تسرد حكاية كل ليلة كي تنجو من الموت، فوُلدت واحدة من أعرق تقاليد السرد في العالم: "ألف ليلة وليلة". لم تكن تلك الحكاية مجرّد تسلية، بل وسيلة للبقاء، وشكلٍ من أشكال الذكاء والمقاومة الأنثوية، ومنصة لنقل الحكمة الشعبية والتجربة البشرية. اليوم، في عالم يختصر الروايات في مقاطع لا تتعدى 15 ثانية أو حتى دقائق معدودة على "تيك توك"، يُطرح سؤال وجودي: هل انتهى زمن الحكاية الطويلة؟


شهرزاد وصانعو المحتوى

شهرزاد كانت راويَة ماهرة، تُمسك بخيوط السرد بدهاء، ودائمًا كانت تؤجل نهاية القصة لتضمن بقاءها لليلة أخرى، فتطيل الحكاية وتُغري المستمع مستفيضة بالتفاصيل. أما صانعو المحتوى اليوم، فيتنافسون على جذب انتباه لا يدوم سوى ثوانٍ، في ظل خوارزميات لا ترحم، تفرز قصصًا في أغلبها تعتمد على الأداء، لا على العمق.


في "ألف ليلة وليلة"، كانت القصة فضاءً مفتوحًا للتخيّل، تنقل السامع من بغداد إلى الصين، ومن السحر إلى السياسة. أما على "تيك توك"، فيغلب على المحتوى طابع السرعة والاختزال. يتم تكييف السرد ليناسب إيقاع المنصة، فتفقد القصص معناها أو عمقها. فهل فعلًا فقدنا الحكاية كما عرفناها؟


الخوارزميات تقتل الحكاية؟

تُحدد خوارزميات "تيك توك" ما نراه بناءً على تفضيلاتنا السابقة، مكوّنة "فقاعات سردية" تمنعنا من اكتشاف قصص جديدة أو ثقافات مختلفة. بدلًا من أن تكون القصة وسيلة لاكتشاف الآخر، باتت أداة لإعادة تدوير الذات. تُكرر الخوارزميات ما نحب، لا ما نحتاج إليه.


وهكذا، تتآكل القصة بوصفها تجربة إنسانية جامعة، وتتفتت إلى مشاهد متقطعة، لا سياق يجمعها. حتى القصص المصورة اليوم تتبع نمطًا بصريًا مفرطًا في السرعة، يقفز فوق التفاصيل، ويُخفي العمق لصالح الإيقاع اللاهث. والسؤال: هل ما نشاهده هو قصص فعلًا، أم محتوى مفرغ من الروح؟


الحكاية لم تمت… لكنها تغيّرت

رغم التشاؤم، يمكن القول إن الحكاية لم تمت، بل ارتدت أقنعة جديدة. هناك من يستخدم المنصات الرقمية لإعادة إحياء الحكاية الشعبية، عبر سرد قصص الأجداد أو تمثيلها بصريًا. وهناك من يستثمر البودكاست كمساحة سردية معاصرة، تستعيد وهج "الحكواتي" بأسلوب عصري.


لكن هذا التحول يفرض مسؤولية جديدة على من يكتب أو يسرد: كيف نحافظ على المعنى وسط الضجيج؟ كيف ننقل قصة تُحاكي وجدان المتلقي في زمن اللاصبر؟ وكيف نعيد إحياء الشغف بالاستماع، لا فقط بالمشاهدة؟


ما الذي خسرناه؟

القصص القديمة كانت تُبنى على التراكم، تُمهّد وتُعمّق، تحمل رموزًا وتُخفي تأويلات. أما القصص الحديثة على المنصات، فتُبنى غالبًا على المفاجأة، الإبهار، أو الصدمة. الزمن السردي تقلّص، وكذلك المسافة بين الحكاية والمتلقّين. خسرنا أحيانًا البُعد التأملي، البُطء الذي يسمح لنا بفهم الشخصيات والتعاطف معها. خسرنا التعلّق بالحكاية لا لأنها "ترند"، بل لأنها تمس شيئًا في داخلنا. فهل يمكن للمنصات الرقمية أن تستعيد هذا العمق؟


نحو سردية رقمية جديدة

ربما لم تنته الحكاية، لكنها دخلت مرحلة انتقالية. نحن بحاجة إلى أدباء رقميين، يعرفون كيف يستثمرون الأدوات الحديثة من دون أن يتنازلوا عن المعنى. بحاجة إلى "شهرزادات" جديدات، يروين القصص ليس فقط للبقاء، بل لإحياء الذاكرة، ومقاومة التفاهة، واستعادة السحر الذي فقدناه في طوفان السرعة.


لأن الحكاية، في النهاية، ليست شكلًا فقط، بل هي روح. وإذا استطعنا حفظ الروح وسط كل هذا الضجيج، فزمن الحكاية لم ينتهِ بعد.