شربل الترس

إيران في لبنان: بين الدبلوماسية بالوكالة والبراغماتية الشكلية

5 دقائق للقراءة

منذ اليوم الأوّل لاستلامها الحكم إبّان الثورة الإسلامية 1979، بدأت السلطة الجديدة في إيران تعدّ العدّة لدعم حركات شيعية موالية لها ومؤيّدة فكريًا لمشروع "ولاية الفقيه" في المنطقة، وخصوصًا في المجتمعات الشيعية. وبناءً عليه، تمّ تأسيس حركة عسكرية في لبنان بعيد الاجتياح الإسرائيلي 1982، هي حزب الله، ومنذ ذلك الوقت بدأت إيران تدعمه سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا وتعطيه قدرًا كبيرًا من الاهتمام. خطوة بعد خطوة، كَبُرت الحركة العسكرية وسرعان ما تحوّلت أيضًا إلى سياسية بعد دخولها البرلمان سنة 1992 (في أعقاب اتفاق الطائف 1989)، لتبدأ في مشروعها الأهم، تحويل لبنان إلى منطقة نفوذ ضمن ما يُعرف بالهلال الإيراني.


بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف، دخل لبنان مرحلة جديدة، كان حزب الله وقتها مقاومة عسكرية فقط. لذلك واجه قادته سؤالًا استراتيجيًا: هل يبقى مجرد "مقاومة عسكرية" ضدّ إسرائيل، أم يدخل الحياة السياسية ليكسب شرعية داخلية؟ خيضت نقاشات حادّة بين الرافضين لدخول الحزب السياسة الداخلية، وبين من رأوا فيه فرصة لتثبيت نفوذ أكبر.


أما ايران فكانت ترى أن دخول الحزب في العمل السياسي، مناسبة لتنفيذ خططها، والمباشرة تدريجيا لوضع اليد على مفاصل الدولة، لذلك دعم المرشد الإيراني حينها علي خامنئي انخراط الحزب من خلال إعطائه غطاءً دينيًا ينفي التناقض بين خوض الانتخابات ومبدأ "ولاية الفقيه".


الدبلوماسية بالوكالة

بدأت إيران العمل بما يمكن وصفه علميًا بـ "الدبلوماسية بالوكالة عبر فاعل مسلّح"، أي عدم التعامل مباشرة مع الدولة اللبنانية عبر معاهدات أو تفاهمات رسمية، بل عبر التعاطي غير المباشر عن طريق حزب الله. وعلى الرغم من وجود سفارة وسفير لإيران في لبنان، إلا أنها تعاملت معه عبر الحزب الذي أصبح مع الوقت الممثل المباشر لمصالحها.


هذا النوع من الدبلوماسية اقتضى أن يكون لإيران قوة ناعمة ( (Soft Power ، تتمثل بمجموعة من المؤسسات والشخصيات التي تساعدها لتنفيذ "دبلوماسيتها بالوكالة"، فمن خطاب ديني يروجه الشخصيات الدينية المؤثرة، وصولا إلى انشاء مؤسسات دينية وتعليمية وصحية وجمعيات اجتماعية وكشفية وليس انتهاء بمؤسسات اقتصادية ومصرفية ضخمة كان القرض الحسن المثال الأكبر في المرحلة الماضية، كله لخدمت مشروعها.


بالتوازي، استثمرت الجمهورية الإسلامية عقودًا من الزمن في القوة الصلبة (العسكرية) التي يملكها الحزب، من تدريب وتسليح، وصولا إلى جعل الحزب قوة عسكرية إقليمية تصادر قرار السلم والحرب في لبنان وموجودًا ميدانيا في كل من سوريا والعراق واليمن.


جمعت ايران بين هاتين القوتين، الناعمة والصلبة، بما يعرف علميا بالقوة الذكية "”Smart Power ، وهو مصطلح صاغه جوزيف ناي، ويعني الاستخدام المنسّق لأدوات الجذب والإكراه معًا. كل ذلك، لمحاولة الاستفادة بالحدّ الأقصى، ومع الوقت، استطاعت طهران أن تسيطر على قرار الدولة اللبنانية، عبر مفاصل القرار الأساسية: رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة والحكومة، وأغلبية مجلس النواب.


البرغماتية الشكلية

اعتمدت إيران طويلًا على ما يشبه الدبلوماسية الأيديولوجية الجامدة، لثقتها بأن سيطرتها عبر حزب الله كافية لفرض شروطها، سرعان ما بدأت تغيّر سياستها تجاه لبنان، بعد خسارة الحزب العسكرية في الحرب الأخيرة مع اسرائيل، وانتخاب رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة غير موالين لحزب الله، مع تسرّب لنفوذ أميركي وسعودي من خلال مبعوثيهما إلى لبنان.

بدأت بوادر تغيّر سياستها، مع تصاريح لمسؤولين إيرانيين، يعلنون صراحة أنهم لا ينون التدخل في شؤون لبنان الداخلية، أو تصاريح تنفي أن يكون لإيران مطامع في الداخل اللبناني، كما فعل وزير خارجية إيران عباس عرقجي خلال زيارته الأخيرة لبيروت، حين عبر "عن رغبة بلاده فتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية-اللبنانية مبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية".


تصريح يعبّر بالشكل عن رغبة إيران في احترام الشؤون الداخلية للبنان، لكن في المضمون يُظهر رغبة إيرانية لاستماع قوتها في لبنان، خصوصا بعد الكلام العالي النبرة الذي صرّح به أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم والذي يعلن النية المبيّتة لدى إيران للعودة في استرجاع التصعيد تدريجيا.


ظهرت هذه السياسة بوضوح (البرغماتية الشكلية) مع تعيين علي لاريجاني أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي (آب/أغسطس 2025) بعد استبعاد طويل، ليكون مسؤولًا عن ملف إعادة تجميع أوراق الحزب السياسية تحضيرًا لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة.


لاريجاني عبّر بشكل واضح عن سياسة إيران الجديدة، براغماتية بالشكل، مع تشدد بالطرح، ابتسامة أمام الشاشات مع تشنج بالمناقشات مع المسؤولين اللبنانيين، وهي سياسة تعبر عن شخصية الرجل، فهو لطالما كان متشددا، على يمين النظام الإيراني، مع الاحتفاظ ببراغماتية بالشكل في بعض الأمور.


تحاول إيران اليوم عبر شراء الوقت أن تعيد خلط أوراقها في لبنان والمنطقة، بانتظار وضوح نتائج القمة الأميركية-الروسية ( قمة ألاسكا بين ترامب وبوتين في 15 آب/أغسطس 2025، التي انتهت بلا اتفاق حاسم حول أوكرانيا) وغيرها من القمم الأممية الأخرى. وبالتالي، فإن ما يبدو من براغماتية شكلية ليس إلا مرحلة تكتيكية، هدفها إعادة التموضع استعدادًا للجولات المقبلة من الصراع والمفاوضات مع أميركا والغرب.