نبيل يوسف

دير القطّارة: حصن المقاومة حين دقّ الخطر أبواب الشّمال (الجزء الأوّل)

6 دقائق للقراءة

كان واضحًا أن الوضع في الأقضية الشمالية المسيحية سيتبدل بعد 13 حزيران 1978. في اليوم التالي لما جرى في إهدن أو الذي يليه، وصلت إلى مسؤولي "الكتائب" في البترون والكورة، معلومات من مخابرات الجيش عن احتمال استغلال بعض المجموعات الفلسطينية في الشمال ما جرى، وقيامهم بعمليات داخل القرى والبلدات في الأقضية الشمالية المسيحية، فصدر قرار بحراسة مداخل كل البلدات وتوقيف أي سيارة غريبة تُشاهد، واستمرّت الحراسة حتى تاريخ انتشار الجيش السوري وانسحاب المقاتلين إلى جرد بلاد البترون.



بدايات ثكنة دير القطارة

مساء 18 أو 19 حزيران 1978 عُقد اجتماع في مقر إقليم البترون الكتائبي ترأسه الدكتور جورج سعاده وشارك فيه عدد من مسؤولي الإقليم.


خلال الاجتماع طلب جورج سعاده من المشاركين اقتراح مكان لإقامة تجمع عسكري لمقاتلي الإقليم يكون في جرد بلاد البترون أو عند أطرافها، فمن الأفضل تجميع المقاتلين المنتشرين في القرى والبلدات في مكان واحد بحيث يسهل ضبط العناصر المتحمسة.


طرحت بداية 4 مواقع: مبنى مهنية دوما، دير مار يوحنا مارون في كفرحي، دير سيدة بصا في كفور العربي، ودير مار يعقوب في بشتودار.


كان لكل موقع إيجابيات وسلبيات، وخلال المناقشة اقترح أحدهم دير مار شليطا - القطارة: استوقف الاقتراح الدكتور سعاده وطلب دراسته بعناية وسرعان ما تمت الموافقة عليه.



لماذا دير مار شليطا - القطارة؟

يقع عند الحدود الفاصلة بين منطقتي البترون وجبيل، ويمكن الوصول إليه عبر طرقات عدّة، ما يسهل حركة الانتقال منه وإليه خصوصًا للآليات.


بعيد نسبيًا عن المنازل وتحيطه أراضٍ واسعة مما يسهل تواجد المقاتلين، الذين قد يصل عددهم إلى المئات.


لا يسكن فيه سوى راهب واحد هو الأب مارون خليفة ونادرًا ما يقيم فيه، بحيث يتواجد معظم الأوقات في دير سيدة ميفوق القريب.


أما الأهم، فيقع خارج بلاد البترون، فيبدو أن الدكتور جورج سعاده كان في أجواء الخطة الأمنية التي ستقر بعد أيام وفيها تتسلّم القوات السورية مهمّة حفظ الأمن في محافظة الشمال.


لم تمضِ 24 ساعة حتى كان الدكتور جورج سعاده حصل على موافقة الرهبنة اللبنانية على استعمال الدير، وبدأت الاستعدادات للانتقال إليه.


قبل ظهر 22 حزيران، وصلت أول مجموعة من مقاتلي إقليم البترون الكتائبي قوامها 100 مقاتل إلى دير القطارة يقودهم بطرس سابا مفوض القوى النظامية في الإقليم، الذي تم تعيينه قائدًا للثكنة، وفي اليوم التالي وصل عصام خوري (كابورال) يقود مجموعة من 100 مقاتل وتم تعييه نائبً لقائد الثكنة وتعيين شوقي عطية نائبًا لقائد الثكنة للشؤون الإدارية واللوجستية.


كان الدير في حالة يرثى لها. فكان شبه مهجور والحشائش تغطيه تقريبًا، وبدأت ورشة كبيرة لتنظيفه وجعله صالحًا للسكن. في الوقت ذاته، انتقل سلاح الإشارة وكان بقيادة أنطوان الغابور إلى الدير وكان أول سلاح يتمركز فيه.



ما كان سلاح الإشارة يومها؟

مطلع العام 1977 تمّ ربط الأقسام الكتائبية البترونية وعددها 49 قسمًا بشبكة اتصال لاسلكية وضعت قاعدتها في بلدة كور، نظرًا لموقعها الاستراتيجي وتوسطها قرى المنطقة، وأعطي كل قسم جهاز يسمى مارين Marine يعمل على موجة V H F وهو كناية عن علبة صغيرة لونها أبيض موصول بها سماعة هاتف و"أنتان" Antene طوله نحو مترين، كان يمكن حمله والتنقل به: هذا الجهاز كان معروفًا جدًا ووكلاؤه شركة Aratel في الدورة، ويستعمله الكثير من المدنيين لا سيما البحارة، ويمكن التقاط موجته بسهولة، كما زودت بعض الأقسام بجهاز آخر يسمى "A N P R C 6" يستطيع المقاتلون حمله على ظهورهم بسهولة.


شتاء 1978 وصلت أجهزة جديدة تسمى "P R C 25" يصعب الدخول والتشويش عليها، كما أحضرت أجهزة أحدث تسمى "كوكوزاي".


نقلت قواعد هذه الأجهزة إلى دير القطارة، ومنه كان يتم توجيه الوحدات العسكرية المنتشرة في البلدات البترونية.


بداية ثمانينات القرن المنصرم، أصبحت هناك أجهزة أحدث بكثير وغطت شبكتها جميع بلدات الشمال، ووضعت في البلدات الشمالية الخاضعة للتواجد السوري أجهزة سرية كان لاقطها عبارة عن Antene تلفزيون عادي أو ضمن منشر غسيل.


اليوم بعد 47 سنة، ومع تطور الاتصالات، أصبحت تلك الأجهزة بدائية جدًّا، ولكن يومها كانت الوحيدة المتوفرة ولعبت دورًا مهمًّا في ربط المواقع العسكرية والبلدات.


بعد يوم أو يومين، تمركز سلاح المدفعية في دير القطارة وكان بقيادة جرجس سمعان يعاونه الياس الياس، وبدأ نقل القطع المدفعية الموزعة في القرى والبلدات إلى الدير.



ما كان سلاح المدفعية يومها؟

كان يضم:

مدفع 122 عدد 2، هاون 120 عدد 1، مباشر 106 عدد 4، هاون 82 عدد 1، هاون 81 عدد 2، هاون 60 عدد 2، مضاد 57 عدد 1، مضاد 23 عدد 2.


مع انطلاق ثكنة القطارة كان إقبال المقاتلين عليها ضعيفًا، إذ لم يتعدَّ 400 مقاتل: كان الجميع ما زالوا في بلداتهم.


وجود المقاتلين حتّم تفعيل الشرطة العسكرية التي قادها يوسف نجم وعاونه طنوس بطرس (نيكس) الذي عاد وتسلمها بعد انتقال يوسف نجم إلى موقع آخر.


بعد الدخول السوري إلى بلدات ساحل البترون في 28 حزيران 1978 ازداد عدد المقاتلين في ثكنة القطارة، إضافة إلى المجموعات التي التحقت بثكنة القطارة، أنشأت الأقسام الكتائبية التي تركت بلداتها الساحلية أماكن تجمّع كانت تخضع لقيادة القطارة في: لحفد قرب كنيسة مار الياس، معهد الدون بوسكو في فتري، جاج، سقي رشميا، دير راهبات بيت حباق، الراموط، مشمش، دير معاد.


عند اقتحام بلدات وسط بلاد البترون ما بين 26 و 28 آب، تم إخلاء جميع المواقع في وسط بلاد البترون، فازداد عدد الملتحقين بثكنة القطارة إلى نحو 2000 مقاتل، فتمّت إقامة مراكز تجمّع رئيسية أخرى في: دير سيدة ميفوق، مهنية دوما، مدرسة الدون بوسكو، دير معاد، دير راهبات بيت حباق، مخيم في اللقلوق، مخيم في مشمش، مخيم في تنورين الفوقا.


أصبحت طريق عمشيت – ميفوق تغص يوميًّا بعشرات السيارات التي تنقل إلى الشباب المهجرين، أهاليهم وحاجياتهم من بلداتهم، وأضحت ساحة ميفوق كخلية نحل يتواجد فيها العشرات على مدار الليل والنهار.


لم يقتصر الحضور وقتها في ميفوق وجرد بلاد البترون على شباب البترون، بل كان يتواجد أيضًا المئات من المقاتلين الشماليين الذين اضطروا لترك قراهم الشمالية وأقاموا بمعظمهم في دير سيدة ميفوق وأماكن ومخيمات أقاموها في: اللقلوق، شاتين، إهمج، بشعله، جاج، ترتج، دوما، لحفد، ولكن بقيت ساحة ميفوق نقطة التجمع الرئيسية.