الدكتور سايد حرقص

"حزب الله" والبجعة السوداء في زمن هجرة الحلفاء

5 دقائق للقراءة

لم يكن "حزب الله" يتخيّل يومًا أن يصل إلى هذا المستوى من العزلة. فبعد عقودٍ من نسج التحالفات السياسية، ودعم الحلفاء ماليًا وانتخابيًا، وتأمين مقاعد نيابية ووزارية لهم بقوة السلاح و"المال النظيف" كما يصفه، تغيّر المشهد السياسي اللبناني فجأة. العقد الذي شكّل مظلة حماية للحزب بدأ يتفكك حبّة حبّة، وكأن الخيط الذي ربط أطرافه لعقود قد انقطع.



السياسة، كما يقول رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد لويد جورج، هي ميدان تتبدّل فيه المواقع بسرعة مذهلة: "صديقك في الصباح قد يكون ألدّ أعدائك في المساء". وعلى المستوى الدولي، يختصر ونستون تشرشل المسألة بعبارته الشهيرة حين سُئل عن تخلي بريطانيا عن الثورة الأرمنية: "لبريطانيا مصالح دائمة، وليس أصدقاء دائمون".



في لبنان، الصداقات السياسية أشبه بالعملات الرقمية في سوقٍ مضطرب: قيمتها ترتفع أو تنهار تبعًا للعرض والطلب. كثير من التحالفات تُبنى على مصالح آنية، سرعان ما تتآكل مع تغيّر الظروف، فيغدو الانتقال من موقع إلى آخر مسألة وقت، لا ذاكرة ولا وفاء. العمل السياسي هنا غالبًا ميكيافيليّ بامتياز: الغاية تبرّر الوسيلة، والمبادئ يمكن التخلي عنها إن خدمت مصلحة شخصية أو حسابات ظرفية.



هكذا، لا يتردّد الزعماء في قلب المواقف، والخروج من تحالفات قديمة، ثم العودة لمصافحة من خاصموهم، وفقًا لمقتضيات البقاء في اللعبة. أمّا من يرفض فنّ "الاستدارة" وإعادة التموضع، فيُغتال أو يهمش أو يسجن والأمثلة كثيرة ، لأن السياسة اللبنانية هي "فنّ الممكن" وفن "الحفاظ على المصالح"، والممكن والمصالح يفرضان التكيّف للبقاء في متاهة اللعبة التي لا تنتهي.



اللافت أنّ الانسحاب من عباءة الحزب لم يقتصر على الرماديين ، بل طال حلفاءه المقرّبين، أولئك الذين نالوا من خيراته: دعماً مالياً وإعلامياً، استفادة من التهريب وغسيل الأموال، ووظائف ومناصب تحت مظلته. هؤلاء الذين كبّرهم الحزب بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، صاروا اليوم يبتعدون: بعضهم بهدوء، وبعضهم بإشارات علنية، تحاشياً للاصطدام مع المجتمع الدولي أو الغرق في الأزمات الداخلية التي بات الحزب عنوانها الأبرز.



مفارقات المواقف كثيرة: من هاجم أعداء الحزب بالأمس صار يهاجمه اليوم علنًا، ومن يضع "قدمًا في البور وأخرى في الفلاحة" على طريقة المثل الشعبي، يتحدث ضد سلاحه في الليل ويبرّره في النهار. وهناك من يقول بجرأة لفظية: "نحن مع حصر السلاح بيد الدولة… ولكننا ضد نزع سلاح "حزب الله"!" في محاولة ماكرة ومكشوفة للجمع بين النقيضين.

أسباب العزلة المتزايدة ل"حزب الله" كثير وهي نبتجة تراكم أخطاء كثيرة وتغيير في ميزان القوى واتجاه الهواء الدولي نذكر منها:



1. العقوبات والضغوط الدولية: اتساع العقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بالحزب، وتزايد الضغط الاقتصادي، ما يضع الحلفاء أمام معادلة صعبة.

2. تحوّل الرأي العام: البيئة الشعبية التي كانت تبرر خيارات الحزب بدأت تشعر بثقل الانهيار المالي، حتى داخل بيئته المباشرة، فيما يتساءل الشارع عن جدوى ربط لبنان بصراعات إقليمية لا نهاية لها.



3. تغيّر أولويات الحلفاء: حتى "الأوفياء حتى العظم" بدأوا يبتعدون، إمّا طمعًا بفتح قنوات مع دول عربية وغربية، أو لحسابات انتخابية تقتضي مسافة أمان من الحزب.



هنا تبرز نظرية "البجعة السوداء" للمفكر اللبناني نسيب طالب، التي تصف الأحداث النادرة وغير المتوقعة التي تأتي فجأة، وتترك أثرًا هائلًا، ثم يحاول الجميع بعد وقوعها إيجاد تفسيرات منطقية لها وكأنها كانت متوقعة منذ البداية. فالعزلة السياسية التي يواجهها "حزب الله" اليوم تمثل، بالنسبة له، بجعة سوداء بكل المقاييس. لم يتوقّع الحزب أن تنهار شبكة تحالفاته بهذه السرعة، خاصة مع حلفاء صنعهم بنفسه.كما أن الحدث جاء نتيجة تراكمات غير مرئية أو مستهان بها: الانهيار المالي، تبدّل المزاج الشعبي، تغيّر المصالح الإقليمية.اليوم بات للتغيرات السريعة الأثر الكبير الذي بات يهدد ركائز "حزب الله" وقوته السياسية والاجتماعية. وبات يتوقع أنه بعد وقوعه، سيبدأ الجميع في صياغة روايات تشرح ما حدث وكأنهم كانوا يعرفون أن اللحظة قادمة، رغم أنهم لم يستعدوا لها.



اليوم، يواجه "حزب الله" عزلة سياسية متصاعدة داخليًا وإقليميًا، وسط مشهد إقليمي يبحث عن صفقات جديدة وترتيبات مختلفة. الهيمنة التي مارسها على القرار اللبناني بدأت تضعف خاصة بعد تخطي الحكومة اللبنانية عقدة الخوف منه واتخاذها قرارا تاريخيا بنزع سلاحه. لقد انتقل من لاعب يمسك بخيوط اللعبة، إلى طرف يحاول الحفاظ على ما تبقى في يده من أوراق. والتحالفات التي شيدها عبر السنين قد بدأت كسراب صحراء تتفكك بالسرعة نفسها التي جُمعت بها، مع تغيّر الظروف والمصالح.



السؤال الآن: هل يمتلك الحزب القدرة على التكيّف مع "بجعته السوداء" والنجاة من أثرها، أم أنّه على أبواب مرحلة أصعب قد تهدد ونفوذه ووجوده معًا؟