لا يحقّ لمن وُلد من رحم الصفقات الدّولية ( أستذكر نزول الخميني من طائرة Air France ) أن ينظّر بالتّبعية و يتّهم الآخرين بها.
لطالما سعى حزب الله إلى إلصاق تُهمة “العمالة للغرب” بالمسيحيين اللبنانيين، مقدّمًا نفسه حارس السيادة والقرار الحر. لكن مراجعة دقيقة لتاريخ العلاقة بين المسيحيين والغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة الأميركية، تكشف أنّ هذا الادعاء ليس سوى سردية دعائية مضلِّلة، هدفها شيطنة مكوّن لبناني أساسي وتبرير وجود سلاح غير شرعي.
حادثة الكسليك: بدايات الممانعة
تروي المراجع، ومن بينها الدكتور نبيل خليفة، أنّ لقاءً حصل في الكسليك بين القادة المسيحيين (ومنهم الرئيس السابق سليمان فرنجية و قدس الأبّاتي شربل القسيس ) و الموفد الأميركي دين براون. بغض النظر عمّا إذا طُرحت مباشرة فكرة تهجير المسيحيين في بواخر، فإنّ مجرد انعقاد اللقاء أطلق شرارة شعور عميق بأنّ الغرب ينظر إلى المسيحيين كعبء يمكن التصرّف به، لا كركيزة أساسية في الكيان اللبناني.
منذ أيام قليلة، صرّح الدكتور سمير جعجع الذّي يمثّل الوزن المسيحي، في مقابلة على شاشة العربية بأنّ السياسات الغربية نادرًا ما تلاقت مع مصلحة الشعب اللبناني.
المفارقة أنّه يُتَّهم دومًا بأنه واجهة للمحور الأميركي، بينما الأحداث تثبت العكس: من تكلّم و يتكلّم باستمرار عن خطورة سلاح حزب الله على الدولة هو جعجع وبكركي ومعهم القوى السيادية، في حين أنّ واشنطن نفسها لم تجعل هذا السلاح يومًا بندًا تفاوضيًا مع إيران، لا في الاتفاق النووي ولا في أي حوار آخر.
بشير الجميل والغرب: معارك الرواية
في زمن الحرب الأهليّة حين كان الفدائيون الفلسطينيون يرتكبون انتهاكات في الأديرة والقرى المسيحية ، كانت الصحافة الغربية ـ خصوصًا الفرنسية " الأمّ الحنون " ـ تروّج لصورة “الفدائيين المظلومين”، بدل نقل المأساة كما هي. بشير جميّل واجه هذا الانحياز الإعلامي، مؤكّدًا أنّ المسيحيين ليسوا بيادق في يد أحد. ويكفي استذكار خطابه في دون بوسكو حين قال: “إذا الفاتيكان بدو يجيب رئيس حتّى يعمل تجربة تعايش بين المسيحيين و المسلمين ، يجيبو بابا عندن ،وإذا أميركا بدا رئيس ، فالتنتخبه في واشنطن.” و المزيد من الخطابات الموجهّة إلى الولايات المتّحدة ك : " نحن قدّيسو هذه الشّرق و شياطينه " رفضاً لأي نوع من بيع و شراء على حساب لبنان.
جملتان تختصران رفض التبعية، مهما كانت الجهة.
في المقابل محطّات تاريخيّة توضح أكثر العلاقة الممتازة بين أبناء محور الممانعة و أولادها:
• الاتفاق الثلاثي (1985): وُقّع من دون ضوء احمر أميركي، وأسقطته القوى المسيحية لأنه كان يضر بمصالحها.
• إيران – كونترا (1986): صفقة سلاح أميركية–إسرائيلية لإنقاذ إيران ضد العراق، صبّت في مصلحة طهران، أي الراعي الأول لحزب الله، لا في مصلحة المسيحيين.
• بعد غزو الكويت (1990): سلّمت الولايات المتحدة الملف اللبناني لنظام الأسد، ما أدى إلى هجرة مسيحية واسعة، وسجن سمير جعجع، وإبعاد ميشال عون، وانكسار “الوهج المسيحي”.
• الاتفاق النووي (2015): تجاهل سلاح حزب الله كليًا، فيما كان المسيحيون ومعهم السياديون يعتبرون نزعه شرطًا لقيام دولة فعلية.
حزب الله: المستفيد من تلاقي المحاور
المفارقة أنّه بينما يتّهم الحزب المسيحيين بالارتهان لواشنطن، فإنّ الوقائع التاريخية تُظهر أنّه هو المستفيد الأكبر من تلاقي المصالح الأميركية والإيرانية. فمن إيران – كونترا إلى الاتفاق النووي، مرورًا بالسكوت الأميركي عن سلاحه بعد 2005، ظلّ حزب الله محصّنًا من أي ضغط دولي، فيما بقي المسيحيون الطرف الخاسر.
خاتمة: اللغة اللبنانية مقابل لغة الميليشيا
لقد آن الأوان لإسقاط السردية المضلِّلة. المسيحيون اللبنانيون لم يكونوا يومًا أدوات للغرب، بل كانوا ضحية الصفقات الكبرى. خطابهم كان دائمًا “لبنانيًا”: بناء دولة مؤسسات، لامركزية ، سيادة القانون، الحياد، ورفض التوطين ودعم إقامة دولة فلسطينية لتحقيق سلام مستدام. في المقابل، حزب الله لم يتكلّم سوى لغة المحور: تبعية لإيران، واستقواء بالسلاح، واختراع “عدو داخلي” لتبرير هيمنته.
إنّ من يريد حقيقةً حماية لبنان لا يحتاج إلى سلاح خارج الدولة ولا إلى سرديات تخوين. يحتاج فقط إلى دولة قانون. وهذه هي اللغة التي ينطق بها المسيحيون ومعهم كل اللبنانيين السياديين، بينما الحزب ما زال يصرّ على لغة التبعية والدويلة.
فبين المغاور والصخور التي سطّرت المقاومة من أجل الإنسان الحرّ، وبين القصور البيضاء في كياناتٍ مستجدّة، خيارُ المسيحيين واضح...