في نيسان 1982، أقدمت الأرجنتين بقيادة المجلس العسكري على غزو جزر الفوكلاند. جاء الرد البريطاني سريعًا وحاسمًا: لم تنتظر رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر أي تفويض من مجلس الأمن، بل اعتمدت على إرادة سياسية صلبة وقدرة عسكرية رادعة، وأطلقت واحدة من أعنف الحملات البحرية في القرن العشرين.وانتهت باستعادة الجزر في حزيران 1982. هذه الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل أمثولة سياسية: الدول التي تمتلك قوتها الذاتية تحمي مصالحها دون انتظار حماية دولية.
في لبنان، كان يفترض بعد اتفاق الطائف أن تبدأ عملية بناء الدولة على أسس متينة، وأن يكون الجيش الوطني العمود الفقري لهذه الدولة. لكن الوصاية السورية عملت على إضعاف الجيش بشكل ممنهج، في حين تضخم دور حزب الله ليحل رويدا مكان الدولة. والأدهى أن قائد الجيش يومها إميل لحود، لم يكن بمنأى عن هذا التواطؤ، إذ عبّر في مقابلة صحفية سنة 2020 عن انسجامه مع مشروع "المقاومة"، معطلًا بذلك عملية بناء جيش قوي وقادر، ومحولًا الجيش إلى قوة رديفة لمنظومة الهيمنة السورية – الميليشياوية.
قبل الثمانينيات، لم يكن لإيران أي نفوذ في لبنان. لكن الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982 فتح المجال لطهران لإرسال الحرس الثوري إلى سوريا ومنها إلى البقاع اللبناني. حسب مذكرات عبد الحليم خدام، تولّى الحرس الثوري تأسيس "حزب الله" من الصفر، مستقطبًا عناصر شيعية آمنت بعقيدة "ولاية الفقيه"، مع الإصرار على التركيز على العمل العسكري تحت شعار "المقاومة الإسلامية" وتجنب الانخراط في الحياة السياسية اللبنانية، التي اعتبرت آنذاك "تشويشًا" على الهدف الأساسي.
سوريا، التي كانت تسيطر على لبنان، وافقت على التعايش مع حزب الله،بحسب مذكرات خدام، لأسباب سياسية واستراتيجية تتعلق بمواجهة صدام حسين، وبدورها كحلقة وصل بين إيران والدول الشيوعية المصدّرة للسلاح، بالإضافة الى عملية تلقي الدعم النفطي من طهران مقابل تسهيل عمل حزب الله في لبنان. رغم هذا التناغم، شهدت العلاقة السورية-الإيرانية تصدعات، كما ظهر في "مجزرة سكنة فتح الله" شباط 1987 التي راح ضحيتها نحو 23 مقاتلاً من حزب الله.
في العام 1993، نفّذ حزب الله عملية ضد الاحتلال الإسرائيلي، فردّت تل أبيب "بمعركة تصفية الحساب"، ما أسفر عن دمار واسع . في خضم هذه الأحداث، وبحسب حديث صحفي للرئيس لحود نشر في ايار 2020، إستدعاه رئيس الحكومة رفيق الحريري، ونقل اليه رسالة واضحة: القضاء على حزب الله عسكريًا وإنهاء وجوده المسلح، وبموافقة ضمنية من سوريا. المفاجأة أن لحود رفض تنفيذ القرار، وأصر على الحفاظ على حزب ألله وقدراته، وهذا ما ساهم في دعم سطوة الحزب، وترك الجيش عاجزًا عن حماية السيادة الوطنية. وبحسب حديث لحود، عُرض عليه أن تتولى قوات "اليونيفيل" القضاء على حزب الله في حين يقوم الجيش بنزع سلاح جميع الميليشيات، لكنه رفض رفضا قاطعا ،مبررًا موقفه بالضمير الوطني. رغم أن سجله العسكري يدحض ادعاءاته. فأين كان ضميره الوطني يوم غطى اقتحام معاقل ميشال عون وما نتج عنها من مجازر بحق جنود الجيش الذين خدعهم ميشال عون . اين كان ضميره الوطني يوم تعاونت القوات اللبنانية ووافقت طوعا على نزع سلاحها لكنها قوبلت بتركيب الملفات من قبل الجهاز الأمني اللبناني-السوري وخطف وقتل وأعتقل شبابها. أين كان ضميره الوطني يوم زج الجيش في عملية قمع "ثورة الجياع" بالقوة العسكرية والتي نتج عنها مجزرة كبيرة. والمثير للجدل أنه وفقاً للحود، لولا تدخل الأسد في اللحظة الأخيرة، لكانت القوات الدولية مع الجيش اللبناني قد أنهت وجود "حزب الله" في غضون ساعات، إذ لم يكن يمتلك حينها السلاح الثقيل ولا البيئة الحاضنة.
في العام 2000 لاح الأمل من جديد مع الانسحاب الإسرائيلي من لبنان. لكن الدولة اللبنانية برئاسة أميل لحود أهدرت الفرصة من جديد، وظل الجيش اللبناني يعيش على المساعدات المحدودة، بينما راكم حزب الله ترسانته الصاروخية بلا حسيب أو رقيب، حتى تجاوزت قبل الحرب الأخيرة مئة ألف صاروخ، محولًا الجيش إلى قوة شبه شرطية، بينما تضخمت الميليشيا بحماية رسمية، حتى توهم بعض اللبنانيين أنها الجيش الذي سيهزم إسرائيل ويحرر القدس.
اليوم، وبعد فشل حزب الله في حماية لبنان وردع إسرائيل، تضطر الدولة العاجزة عسكريًا لطلب حماية دولية، ما يؤكد أن "توازن الرعب" كان مجرد غطاء لهيمنة الحزب ضمن استراتيجية إيران التوسعية. الفارق بين بريطانيا ولبنان لم يكن في القوة العسكرية فقط، بل في الخيارات السياسية: بريطانيا وثقت بجيشها فاستعادت سيادتها، أما لبنان فقد سلّم قراره لميليشيا مرتبطة بالخارج. الفرص لبناء جيش وطني قوي أُهدرت، ورسخت معادلة: جيش ضعيف – مقاومة قوية – دولة عاجزة، والتي انهارت اليوم إلى جيش ضعيف ودولة عاجزة، كما قال الشاعر عمر أبو ريشة:
"أمتي كم صنـم مجدتــه لم يكن يحمل طهر الصنم
لا يلام الذئب في عدوانه إن يك الراعي عدوَّ الغنم"